بعض عباده فيضا إلهيا ، يعلمهم فيه من لدنه علما . . . من الفيض الإلهي ما هو وراء طور العقل . . . فكان أصل الشريعة في العالم وسببها طلب صلاح العالم ، ومعرفة ما جهل من اللّه مما لا يقبله العقل ، ولا يستقل به العقل من حيث نظره ، فنزلت بهذه المعرفة الكتب المنزلة ، ونطقت بها ألسنة الرسل والأنبياء عليهم السلام ، فعلمت العقلاء عند ذلك أنها نقصها من العلم باللّه أمور تممتها لهم الرسل . . . خصّ اللّه عباده من النبيين وأتباعهم من الأولياء من العلم باللّه ، من جهة الفيض الإلهي الاختصاصي ، الخارج عن العلم المعتاد عن الدرس والاجتهاد ، ما لا يقدر العقل من حيث فكره أن يصل إليه » « 44 » ويقول في الفرق بين العروج الروحاني لصاحب الشريعة وصاحب النظر : « التابع صاحب الشريعة يقف من علم آدم على الوجه الإلهي الخاص ، الذي لكل موجود سوى اللّه ، الذي يحجبه عن الوقوف مع سببه وعلته ، وصاحب النظر لا علم له بذلك الوجه أصلا . . . فكل ما حصل لصاحب النظر حصل للتابع ، وما كل ما حصل للتابع حصل لصاحب النظر . . . وزاد التابع على الناظر بما أعطاه الوجه الخاص من العلم الإلهي . . . فارتحلا ، المحمدي على رفرف العناية ، وصاحب النظر على براق الفكر ، ففتح لهما السماء السابعة . . . فيقال للتابع : أيها التابع ميّز المراتب ، واعرف المذاهب ، وكن على بينة من ربك في أمرك ، ولا تهمل حديثك ، فإنك غير مهمل ، ولا متروك سدى ، اجعل قلبك مثل هذا البيت المعمور بحضورك مع الحق في كل حال ، واعلم أنه ما وسع الحقّ شيء مما رأيت سوى قلب المؤمن ، وهو أنت ، فعندما سمع صاحب النظر هذا الخطاب قال : يا حسرتي على ما فرطت في جنب اللّه وإن كنت لمن الساخرين ، وعلم ما فاته من الإيمان بذلك الرسول واتباع سنته ، ويقول : يا ليتني لم أتخذ عقلي دليلا ، ولا سلكت معه إلى الفكر سبيلا . . . ويزيد التابع على صاحب النظر بأمور لم تنقش في العالم جملة واحدة ، من حيث ذلك الوجه الخاص الذي للّه في كل ممكن محدث ، مما لا ينحصر ولا ينضبط ولا يتصور ، يمتاز به هذا التابع عن صاحب النظر . . . ثم ارتحل ( التابع ) يطلب العروج ، ومسك صاحبه صاحب النظر هناك ، وقيل له : قف حتى يرجع صاحبك ، فإنه لا قدم لك هناك . . . فبقي هناك ومشى التابع . . . فعاين منازل السائرين إلى اللّه تعالى بالأعمال المشروعة » « 45 » ويقول رضي اللّه عنه : « الاسم الباعث هو الذي بعث
هامش
( 44 ) ف ح 1 / 324
( 45 ) ف ح 2 / 273 - 283