فيجمع بين السماع وشهود الرتبة ، فيلحقه بها عن كشف من غير مشقة .
هذا هو ترتيب الكلام دون تقديم أو تأخير ، ودون بتر أو حذف ، فعجبت لك يا دكتور كمال ، كيف لم تفرق بين خلق الله للأفعال ومنها الكلام ، وبين الحكم على الأفعال بالحلال والحرام ، والحسن والقبيح ؟ فحملت كلام الشيخ كله على الحكم على الأفعال ، وهذا يخالف ما يقصده الشيخ ، فإن السطر الأول الذي بترته وحذفته ، ينص بوضوح على أن الشيخ يتكلم عن الأقوال من نظرتين ، نظرة إلى كونها خلقا لله ، وهي قوله : « ألسنة العالم كلها أقوال الله » ونظرة إلى الحكم عليها وهي قوله « وتقسيمها لله فيضيف إلى نفسه منها ما يشاء ويترك ما يشاء » يؤكد النظرة الأولى قوله « فذلك تكوين الحق فيه » وقد أثبت هذه العبارة في كتابك ، ويؤكدها أيضا الجملة التي حذفتها وهي قوله : « فإن الأمر الإلهي نافذ في المأمور لا يتوقف لأمره مأمور » ويؤكد النظرة الثانية الكلام الذي حذفته ( وهو كل ما وضع تحته خط ) من الكلام عن المرتبة ، وخاصة قول الشيخ « مرتبة ذلك القول تصحبه » فإنه من تمام الجملة وتمام المعنى ، والمرتبة هنا المقصود بها الحلال أو الحرام ، الخير أو الشر ، الحسن أو القبيح ، وهو الحكم .
مثال يقرب إليك يا دكتور كمال قصد الشيخ : -
لو أن إنسانا رمى إنسانا آخر بحجر فأصابه ، ورآهما ثلاثة نفر ، أحدهما رأى الحجر يصيب المرميّ فالرامي عنده آثم ، والثاني سمع تسبيح الحجر « * » وغاب عن الرامي وعن المصاب ، والثالث سمع تسبيح الحجر ورأى الحجر يصيب المصاب فالرامي عنده آثم ، فأي الثلاثة أكمل ؟ فإن قلت : الذي سمع تسبيح الحجر وحكم بإثم الرامي ، قلنا لك :
هذا قصد الشيخ الذي التبس عليك ، والسباب هناك بدل من الحجر هنا . وإن قلت :
هذا افتراض وادعاء ومزاعم لا تستند إلى دليل ولا يقبلها العقل ، فإنا لم نسمع بمثل هذا عن أبي بكر ولا عمر ، ولا نقل عن أحد من السلف أو الخلف ، قلنا : هذه نظراتك في معتقدات ابن عربي .
فهل بعد هذا البيان يا دكتور ترى أن ما قاله الشيخ عن « طيب كل شيء » ذوق وشطح كما قلت في ص 66 من نظراتك ، أم أنك أخطأت فهمه ولم تصب قصده ، لما
هامش
( * ) قال تعالى :وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِوورد في الصحيح سماع الصحابة تسبيح الحصى في كف رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم .