تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الشيخ محيي الدين بن عربي ترجمة حياته من كلامه — صفحة 217

مساهمون:

ص٢١٧
شيء لعينه إلا الله ، وإنما أخطأ المشرك حيث نصب لنفسه عبادة بطريق خاص لم يشرع له من جانب الحق ، فشقي لذلك ، فإنهم قالوا في الشركاء :
ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ
فاعترفوا به ، وأنزلوهم منزلة النواب الظاهرة بصورة من استنابهم ، وما ثمّ صورة إلا الألوهية فنسبوها إليهم ، فكان قوله تعالى :
وَقَضى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ
. من الغيرة الإلهية ، حتى لا يعبد إلا من له هذه الصفة ، فكان من قضائه أنهم اعتقدوا الإله ، وحينئذ عبدوا ما عبدوا ، مع أنهم ما عبدوا في الأرض من الحجارة والنبات والحيوان ، وفي السماء من الكواكب والملائكة ، إلا لاعتقادهم في كل معبود أنه إله ، لا لكونه حجرا ولا شجرة ولا غير ذلك ، وإن أخطأوا في النسبة فما أخطأوا في المعبود ، فعلى الحقيقة ما عبد المشرك إلا الله ، وهو المرتبة التي سماها إلها ، لأنه لو لم يعتقد الألوهية في الشريك ما عبده ، فإنه ما عبد من عبد إلا بتخيل الألوهية فيه ، ولو لاها ما عبد ، ولذلك قال تعالى :
وَقَضى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ
فما عبد أحد سوى الله ، حتى المشركون ما عبدوه إلا في الهياكل المسماة شركاء ، فما عبدت إلا الألوهية في كل من عبد من دون الله ، لأنه ما عبد الحجر لعينه ، وإنما عبد من حيث نسبة الألوهة له ، فإن المشرك ما عبد شيئا إلا بعد ما نسب إليه الألوهة فما عبد إلا الله . ( ف ج 1 / 405 - ج 4 / 100 ، 101 - ج 1 / 405 ، 589 ، 238 - ج 2 / 326 ، 92 - ج 4 / 415 ) . واعلم أن اسم الرب من حيث دلالته ، هو الذي يعطي في أصل وضعه أن يسع كل اعتقاد يعتقد فيه ، ويظهر بصورته في نفس معتقده ، ولهذا يتجلى لهم يوم القيامة في صور اعتقادهم ، فممن يخاطب الله بهذه الآية
وَأَمَّا مَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوى
أهل المقامات العلى ، من إطلاق اسم الرب الذي يقبل التجلي في صور الاعتقادات ، فصاحب هذا المقام لا يزال خائفا ، حتى تأتيه البشرى في الحياة الدنيا بأن الأمر كما قال
وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوى
والهوى هو تقييد الرب بصورة معينة في نفسه ، وعدم إطلاقه في التحول في صور الاعتقادات . ( ف ج 4 / 165 ) . فالكامل من عظمت حيرته ، ودامت حسرته ، ولم ينل مقصوده لما كان معبوده ، وذلك أنه رام تحصيل ما لا يمكن تحصيله ، وسلك سبيل من لا يعرف سبيله ، والأكمل من الكامل من اعتقد فيه كل اعتقاد ، وعرفه في الإيمان والدلائل وفي الإلحاد ، فإن الإلحاد
الشيخ محيي الدين بن عربي ترجمة حياته من كلامه — صفحة 217 | محمود محمود الغراب