تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الشيخ محيي الدين بن عربي ترجمة حياته من كلامه — صفحة 216

مساهمون:

ص٢١٦
بالعلم العلم بمواقع الأخبار ، وهو أنهم يعرفون الخطاب الوارد على لسان قائل ما ممن له نطق في الوجود أين موقعه من العالم أو من الحق ؟ فيبرزون له آذانا منهم واعية ، لا يسمعونه إلا بتلك الآذان ، فيتلقونه ويطلبون به متعلقه حتى ينزلوه عليه ، ولا يتعدوه به ، وهذا لا يقدر عليه إلا من حصر أعيان الموجودات ، أعني أعيان المراتب لا أعيان الأشخاص ، فيلحقون ذلك الخبر بمرتبته ، فهم في تعب ومشقة ، فإن المتكلم مستريح في كلامه ، وهذا متعوب في سماعه ذلك الكلام ، فإنه لا يأخذه إلا من الله ، فينظر من يراد به فيوصله إلى محله ، فيكون ممن أدى الأمانة إلى أهلها ، ولهذا كان بعضهم يسد أذنيه بالقطن حتى لا يسمع كلام العالم ، ولله رجال هان عليهم مثل هذا ، فبنفس ما يسمعون الخطاب من الله تقوم معهم مرتبة هذا الخطاب ، فينزلونه فيها من غير مشقة ، والحمد لله الذي رزقنا الراحة في هذا المقام ، فإنه كشف لطيف ، وذلك أن الخطاب الإلهي العام في ألسنة القائلين من جميع الموجودات ، مرتبة ذلك القول معه تصحبه ، فإنه قول إلهي في نفس الأمر ، وإن كان لا يعلمه إلا القليل ، فعندما يسمعه الكامل من رجال الله تعالى يشهد مع سماعه مرتبته ، فيجمع بين السماع وشهود الرتبة ، فيلحقه بها عن كشف من غير مشقة ، ولقد رأينا جماعة من أهل الله يتعبون في هذا المقام ، بطلب المناسبات بين الأخبار والمراتب حتى يعثروا عليها ، وحينئذ يلحقون ذلك الخبر بأهله ، فتفوتهم أخبار إلهية كثيرة . ( ف ج 3 / 211 ، 218 ، 226 - ج 4 / 221 ، 204 ) .

مشاهدة الحق في كل اعتقاد :

لله رجال أعطاهم الله الفهم والاتساع وحفظ الأمانة أن يفهموا عن الله جميع إشارات كل مشار إليه ، وهم الذين يعرفونه في تجلي الإنكار ، والشاهدون إياه في كل اعتقاد ، والحمد لله الذي جعلنا منهم إنه وليّ ذلك . ( ف ج 2 / 498 ) . قال تعالى :
وَقَضى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ
أي حكم ، وقضاء الحق لا يرد ، والعبادة ذلة في اللسان المنزل به هذا القرآن ، قال تعالى :
وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ
فإن العبادة ذاتية للمخلوق لا يحتاج فيها إلى تكليف ، فكما قال :
يا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَراءُ إِلَى اللَّهِ
ولم يذكر افتقار مخلوق لغير الله ، قضى أن لا يعبد غير الله ، فمن أجل حكم الله عبدت الآلهة ، فلم يكن المقصود بعبادة كل عابد إلا الله ، فما عبد
الشيخ محيي الدين بن عربي ترجمة حياته من كلامه — صفحة 216 | محمود محمود الغراب