في الوجود مثل منزلته في الثبوت ، في نعيم دائم ، والحامل ليس كذلك ، فإنه إن كان المحمول يوجب لذة التذ الحامل ، وإن أوجب ألما تألم الحامل ، ولم يكن ذلك في حال الثبوت ، بل العين الحاملة في ثبوتها تظهر فيما تكون عليه في وجودها إلى ما لا يتناهى ، فكل حال تكون عليها هو إلى جانبها ، ناظر إليها لا محمول فيها ، فالعين ملتذة بذاتها ، والحال ملتذ بذاته ، وحال الأحوال لا يتغير ذوقه بالوجود ، وحال الحامل يتغير بالوجود ، وهو علم عزيز ، وما تعلم الأعيان ذلك في الثبوت إلا بنظر الحال إليها ، ولكن لا تعلم أنه إذا حملته تتألم به ، لأنها في حضرة لا تعرف فيها طعم الآلام ، بل تتخذه صاحبا ، فلو علمت العين أنها تتألم بذات الحال إذا اتصفت به ، لتألمت في حال ثبوتها بنظره إياها ، لعلمها إنها تتلبس به وتحمله في حال وجودها ، فتألّفها به في الثبوت تنعّم لها ، وهذا الفن من أكبر أسرار علم الله في الأشياء ، شاهدته ذوقا إلهيا ، لأن من عباد الله من يطلعه الله كشفا على الأعيان الثبوتية ، فيراها على صورة ما ذكرناه من المجاورة والنظر ، ما يرى فيها حالّا ولا محلا ، فإذا فهمت الفرق بين الوجود والثبوت ، وما للأعيان في الوجود ، وما لها في الثبوت من الأحكام ، علمت أن بعض الأعيان لا تريد ظهور الأثر فيها بالحال ، ما لها في ذلك ذوق ، فهي بالحال لو عرض عليها ذوق الألم في حال الثبوت لضجت ، فإن أمرها في حال الوجود إذا حملت الألم قد تحمل الصبر وقد لا تحمله ، وفرضناها في حال الثبوت حاملة فاقدة للصبر ، فما لها - بلسان الحال ذلك - افتقار إلى طلب الوجود ، وإن طلبته بالقول الثبوتي « 1 » من الله ، فإذا وجدت تقول كما نقل عن بعضهم : ليتني لم أخلق ، ليت عمر لم تلده أمه ، ليتها كانت عاقرا ، وأمثال هذا ، فتكون الأعيان أقل افتقارا من الأسماء ، والأسماء أشد افتقارا لما لها في ذلك من النعيم ، ولقد برقت لي بارقة عند تقييدي مسألة أن الوجود لا يصح إلا من أصلين : الواحد الاقتدار وهو الذي يلي جانب الحق ، والأصل الثاني القبول وهو الذي يلي جانب الممكن ، فلا استقلال لواحد من الأصلين بالوجود ولا بالإيجاد . فالأمر المستفيد الوجود ما استفاده إلا من نفسه بقبوله ، وممن نفذ فيه اقتداره وهو الحق ، غير أنه لا يقول في نفسه إنه موجد نفسه ، بل يقل : إن الله أوجده ، والأمر على ما ذكرناه ، فما أنصف الممكن نفسه وآثر بهذا الوصف ربه ، رأيت في هذه البارقة ما شاء الله
هامش
( 1 ) قال تعالى :وَآتاكُمْ مِنْ كُلِّ ما سَأَلْتُمُوهُ .