تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الشيخ محيي الدين بن عربي ترجمة حياته من كلامه — صفحة 200

مساهمون:

ص٢٠٠
أولاي وأخراي ، فمتى لم أجعل هذا نظري هلكت ، ومتى أعرضت عن الاشتغال بالناس ، تمكنت من نجاتي وتملكت ، إذ وقد قال صلى اللّه عليه وسلم يخاطب جميع أمته : « كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته » فقد أثبت صلى اللّه عليه وسلم الإمامة لكل إنسان في نفسه ، وجعله مطلوبا بالحق في غيبه وحسه ، فإذا كان الأمر على هذا الحد ، ولزمنا الوفاء بالعهد ، فما لنا نفرط في سبيل النجاة ! ! ونقنع بأحط الدرجات ، ما هذا فعل من قال : إني عاقل ، وتجنب هذه المعاقل ، فمتى ذكرت في كتابي هذا « عنقاء مغرب » أو في غيره حادثا من حوادث الأكوان ، فإنما غرضي أن أثبته في سمع السامع ، وأقابله بمثله في الإنسان ، فنصرف النظر فيه إلى ذاتنا الذي هو سبيل نجاتنا ، فأمشيه بكليته في هذه النشأة الإنسانية على حسب ما يعطيه المقام ، إما جسمانية وإما روحانية ، فإياك أن تتوهم أيها الأخ الشفيق ، أن غرضي من كتبي كلها الكلام فيما خرج عن ذاتي ، من غير أن تلحظ فيه سبيل نجاتي ، فإنه لما لم تتعلق بحوادث الكون همتي ، ولا تشوفت إليها كليتي ، كان الحق سبحانه وجهتي ، ونزهتي عن ملاحظة جهتي ، فكنت لا أشهد أينا ، فكيف أبصر كونا ؟ فإنه لا فائدة في معرفة ما خرج عن ذاتك ، إلا أن تتعلق به سبيل نجاتك ، فإنك إذا كنت في زمانك الخاص بين إخوانك على ما كان عليه من تقدم عليه من صحابة النبي ، من العلم السني والتجلي الكلي ، فقد لحق زمانك بزمانهم ، وصرت من جملة أقرانهم ، فإن القرن اللاحق بقرن المصطفى لم يزل موجودا ، ما دام الإنسان مع ربه سبحانه شاهدا له والحق له مشهودا ، فهو وإن كان الذي أشار إليه الشرع ، وجاء به السمع في عبادة الهرج والقتل ، فذلك أوان التقدم والفضل ، فإن للعامل منهم أجر سبعين ممن تقدم ، وإن كان الإمام المقدّم ، فإنهم لا يجدون على الخير أعوانا كما وجدوا ، ولا يشهدون لإمامهم عينا كما شهدوا ، فلا شيء أقوى من إيمان غيب ، إذا لم يلحق بصاحبه ريب ، وذلك زمان الفتن ، وحلول البلايا والمحن ، فأعرض عمن تولى عن ذكرنا ولم يرد إلا الحياة الدنيا ، ذلك مبلغهم من العلم إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بمن اهتدى ، فتأمل هذه الإشارات في نفسك ، واجتمع عليها بقلبك وحسك ، فإن الزمان شديد ، وجباره عنيد ، وشيطانه مريد ، فانسلخ منه انسلاخ النهار من الليل ، وإلا فقد لحقت بأصحاب الثبور والويل . ( كتاب عنقاء مغرب / الوعاء المختوم ) .
الشيخ محيي الدين بن عربي ترجمة حياته من كلامه — صفحة 200 | محمود محمود الغراب