خواص بانفرادها ، ولها خواص بتركيبها ، وليس خواصها بالتركيب لأعيانها ، ولكن الخاصية لأحدية الجمعية ، فافهم ذلك ، حتى لا يكون الفاعل في العالم إلا الواحد ، لأنه دليل على توحيد الإله ، فكما أنه واحد لا شريك له في فعله الأشياء ، كذلك سرت الحقيقة في الأفعال المنسوبة إلى الأكوان ، أنها لا تصدر منها إذا كانت مركبة إلا لأحدية ذلك التركيب ، وكل جزء منها على انفراده له خاصية تناقض خاصية المجموع ، هكذا تركيب الكلمات كتركيب الحروف ، ومن هنا تعلم أن الحرف الواحد له عمل ولكن بالقصد ، كما عمل « ش » في لغة العرب عند السامع أن يشي ثوبه ، وهو حرف واحد و « ق » أن يقي نفسه من كذا ، و « ع » أن يعي ما سمعه ، مع كونه حرفا واحدا ، وأما ( كن ) فهو من فعل الكلمة الواحدة لا من فعل الحروف . راجع أرواح الكواكب والحروف ص 205 .
( ف ج 1 / 190 - ج 2 / 300 ) .
وعند كلامه رضي الله عنه عن حرف الباء يقول : إنه الحرف المقدم لأنه أول البسملة في كل سورة ، والسورة التي لم يكن فيها بسملة ابتدأت بالباء ، فقال تعالى :
بَراءَةٌ
قال لنا بعض الإسرائيليين من أحبارهم ، ما لكم في التوحيد حظ لأن سور كتابكم بالباء ، فأجبته : ولا أنتم فإن أول التوراة باء ، فأفحم .
علم الموازين :
أعجب ما رأيت في قونية من بلاد اليونان من مصور كان عندنا اختبرناه ، وأفدناه في صنعته من صحة التخيل ما لم يكن عنده ، فصور يوما حجلة وأخفى فيها عيبا لا يشعر به ، وجاء بها إلينا ليختبرنا في ميزان التصوير ، وكان قد صورها في طبق كبير على مقدار صورة الحجلة في الجرم ، وكان عندنا بازي ، فعند ما أبصرها أطلقه من كان في يده عليها ، فركضها برجله لما تخيل أنها حجلة في صورتها وألوان ريشها ، فتعجب الحاضرون من حسن صنعته ، فقال لي : ما تقول في هذه الصورة ؟ فقلت له : هي في غاية التمام إلا أن فيها عيبا خفيا ، وكان قد ذكره للحاضرين فيما بينه وبينهم ، فقال لي : وما هو ؟ هذه أوزانها صحيحة ، قلت له : في رجليها من الطول عن موازنة الصورة قدر عرض شعيرة ، فقام وقبل رأسي ، وقال : بالقصد فعلت ذلك لأجربك ، فصدقه الحاضرون وقالوا إنه ذكر ذلك لهم قبل أن يوقفني عليها ، فتعجبت من وقوع البازي عليها وطلبه إياه ، هذا في الموازين