تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الشيخ محيي الدين بن عربي ترجمة حياته من كلامه — صفحة 199

مساهمون:

ص١٩٩
الكشف فلا ينكر شيئا ، بل يقرر كل شيء في رتبته ، فمن كان وقته الكشف أنكر عليه ولم ينكر هو على أحد ، ومن كان وقته العقل أنكر وأنكر عليه ، ومن كان وقته الشرع أنكر وأنكر عليه ، وكل واحد بحسب ذوقه فإنه الحاكم عليه ، ومن له الإشراف من أمثالنا على المقامات والمراتب ، ميّز وعرف كل شخص من أين يتكلم . ( ديوان / 416 - ف ح 2 / 605 ، 540 ) .

غرض الشيخ من مصنفاته :

اعلم - أيدك الله - أيها الطالب أن معرفة الأمور على ما هي عليه في أنفسها ، أنك لا تعلم ذلك إلا إذا أوقفك الله عليك من نفسك ، وأشهدك ذلك من ذاتك ، فيحصل لك ما طلبته ذوقا عندما تقف عليه كشفا ، ولا سبيل إلى حصول ذلك إلا بعناية أزلية ، تعطيك استعدادا تاما لقبوله ، برياضيات نفسية ومجاهدات بدنية ، وتخلق بأسماء إلهية ، وتحقق بأرواح طاهرة ملكية ، وتطهير بطهارة شرعية مشروعة لا معقولة ، وعدم تعلق بأكوان ، وتفريغ محل عن جميع الأغيار ، لأن الحق ما اصطفى لنفسه منك إلا قلبك حين نوره بالإيمان ، فوسع جلال الحق ، فعاين من هذه صفته الممكنات بعين الحق ، فكانت له مشهودة ، وإن لم تكن موجودة ، فما هي له مفقودة ، وقد كشف لبصيرته - بل لبصره وبصيرته - نور الإيمان حين انبسط على أعيان الممكنات أنها في حال عدمها مرئية رائية ، مسموعة سامعة ، برؤية ثبوتية وسمع ثبوتي ، لا وجود له ، فعيّن الحق ما شاء من تلك الأعيان ، فوجه عليه دون غيره من أمثاله ، قوله المعبر عنه باللسان العربي المترجم بكن ، فأسمعه أمره ، فبادر المأمور فتكون عن كلمته ، بل كان عين كلمته ، ولم تزل الممكنات في حال عدمها الأزلي لها ، تعرف الواجب الوجود لذاته ، وتسبحه وتمجده بتسبيح أزلي ، وتمجيد قديم ذاتي ، ولا عين لها موجودة ، ولا حكم لها مفقود . ( ف ج 3 / 257 ) . واعلم أن الإنسان عالم صغير ، مسلوخ عن العالم الكبير ، فكلّ ما ظهر في الكون الأكبر ، فهو في هذا العين الأصغر ، فليس غرضي في كل ما أضنف في مثل هذا الفن معرفة ما ظهر في الكون ، وإنما الغرض معرفة ما وجد في هذا العين الإنساني والشخص الآدمي ، فحقق نظرك أيها العاقل ، وتنبه أيها الغافل ، هل ينفعني في الآخرة كون السلطان عادلا أو جائزا أو عالما أو جاهلا ؟ لا والله يا أخي ، حتى أنظر ذلك السلطان مني وإلي ، وأجعل عقلي إماما عليّ ، وأطلب منه الآداب الشرعية في باطني وظاهري ، وأبايعه على إصلاح
الشيخ محيي الدين بن عربي ترجمة حياته من كلامه — صفحة 199 | محمود محمود الغراب