بعض ، فإذا خلوا بأبناء جنسهم تكلموا بما هو الأمر عليه بالنص الصريح ، وإذا حضر معهم من ليس منهم تكلموا بينهم بالألفاظ التي اصطلحوا عليها ، فلا يعرف الجليس الأجنبي ما هم فيه ولا ما يقولون ، ومن أعجب الأشياء في هذه الطريقة ولا يوجد إلا فيها ، أنه ما من طائفة تحمل علما من المنطقيين والنحاة وأهل الهندسة والحساب والتعاليم والمتكلمين والفلاسفة ، إلا ولهم اصطلاح لا يعلمه الدخيل فيهم إلا بتوقيف من الشيخ أو من أهله ، لا بد من ذلك ، إلا أهل هذه الطريقة خاصة ، إذا دخلها المريد الصادق ، وبهذا يعرف صدقه عندهم ، وما عنده خبر بما اصطلحوا عليه ، فإذا فتح الله له عين فهمه ، وأخذ عن ربه في أول ذوقه ، وما يكون عنده خبر بما اصطلحوا عليه ، ولم يعلم أن قوما من أهل الله اصطلحوا على ألفاظ مخصوصة ، فإذا قعد معهم وتكلموا باصطلاحهم على تلك الألفاظ التي لا يعرفها سواهم ، أو من أخذها عنهم ، فهم هذا المريد الصادق جميع ما يتكلمون به ، حتى كأنه الواضع لذلك الاصطلاح ، ويشاركهم في الكلام بها معهم ، ولا يستغرب ذلك من نفسه ، بل يجد علم ذلك ضروريا لا يقدر على دفعه ، وكأنه ما زال يعلمه ، ولا يدري كيف حصل له ، والدخيل من غير هذه الطائفة لا يجد ذلك إلا بموقّف ، فهذا معنى الإشارة عند القوم ، ولا يتكلمون بها إلا عند حضور الغير ، أو تآليفهم ومصنفاتهم لا غير ، فإن الكتاب يقع في يد أهله وغير أهله ، وإنما فرقنا في التعبير بين الإشارة والتحقيق ، لئلا يتخيل من لا معرفة له بما آخذ أهل الله أنهم يرمون بالظواهر ، فينسبونهم إلى الباطنية وحاشاهم من ذلك ، بل هم القائلون بالطرفين .
( ف ج 1 / 280 ، 281 ، 654 ) .
واعلم أن القوم قد اصطلحوا على ألفاظ ومعاني قرروها في نفوسهم يخاطبون بها بعضهم بعضا ، كما فعلت كل طائفة فيما تنتحله من العلوم ، كالنحويين وأصحاب العدد والمهندسين والأطباء والمتكلمين والفقهاء وغيرهم ، فمما اصطلحت عليه هذه الطائفة ، الهوية والإنية والأنانية ، لأغراض في نفوسهم ، كذلك أصحاب الأخذ بالإشارات ، فإن إدراكهم لذلك في باب الإشارات في كلام الله تعالى خاصة فهم فيه ، لأنه مقصود لله تعالى في حق هذا المشار إليه بذلك الكلام . ( ف ح 2 / 25 ) .
وأما إذا تكلم أو كتب الشيخ عن الإشارات ، مثل ما جاء في كتابه الإسراء ، وكتابه
الشيخ محيي الدين بن عربي ترجمة حياته من كلامه — صفحة 190
مساهمون: محمود محمود الغراب
ص١٩٠