تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الشيخ محيي الدين بن عربي ترجمة حياته من كلامه — صفحة 189

مساهمون:

ص١٨٩
الْحِكْمَةَ مَنْ يَشاءُ
وهي العلم ، وجاء بمن وهي نكرة ، ولكن علماء الرسوم لما آثروا الدنيا على الآخرة ، وآثروا جانب الخلق على جانب الحق ، وتعودوا أخذ العلم من الكتب ومن أفواه الرجال الذين من جنسهم ، ورأوا في زعمهم أنهم من أهل الله بما علموا وامتازوا به عن العامة ، حجبهم ذلك أن يعلموا أن لله عبادا تولى الله تعليمهم في سرائرهم ، بما أنزله في كتبه وعلى ألسنة رسله ، وهو العلم الصحيح عن العالم المعلم الذي لا يشك مؤمن في كمال علمه ولا غير مؤمن ، فتولى الله بعنايته لبعض عباده تعليمهم بنفسه ، بإلهامه وإفهامه إياهم ، وكذا قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه في هذا الباب : ما هو إلا فهم يؤتيه الله من شاء من عباده في هذا القرآن ، فجعل ذلك عطاء من الله ، يعبر عن ذلك العطاء بالفهم عن الله ، وأخبر عن نفسه أنه لو تكلم في الفاتحة من القرآن لحمل منها سبعين وقرا ، وهل هذا إلا من الفهم الذي أعطاه الله في القرآن ؟ فلما رأى أهل الله أن الله قد جعل الدولة في الحياة الدنيا لأهل الظاهر من علماء الرسوم ، وأعطاهم التحكم في الخلق بما يفتون به ، سلّم أهل الله لهم أحوالهم لأنهم علموا من أين تكلموا ، وصانوا عنهم أنفسهم بتسميتهم الحقائق إشارات ، فإن علماء الرسوم لا ينكرون الإشارات ، فإذا كان في غد يوم القيامة يكون الأمر في الكل كما قال القائل :
سوف ترى إذا انجلى الغبار * أفرس تحتك أم حمار
كما يتميز المحقق من أهل الله من المدعي في الأهلية غدا يوم القيامة ، فأصحاب الدعاوى في هذه الطريقة كالمنافقين من المسلمين ، فإنهم شاركوهم في الصورة الظاهرة ويانوا بالبواطن . ( ف ج 1 / 279 ) . ثم لتعلم أن أصحابنا ما اصطلحوا على ما جاء به في شرح كتاب الله بالإشارة دون غيرها من الألفاظ ، إلا بتعليم إلهي جهله علماء الرسوم ، وذلك أن الإشارة لا تكون إلا بقصد المشير بذلك أنه يشير ، لا من جهة المشار إليه ، فلما رأى أهل الله أنه قد اعتبر الإشارة ، استعملوها فيما بينهم ، ولكنهم بينوا معناها ومحلها ووقتها ، فلا يستعملونها فيما بينهم ولا في أنفسهم إلا عند مجالسة من ليس من جنسهم ، أو لأمر يقوم في نفوسهم ، واصطلح أهل الله على ألفاظ لا يعرفها سواهم إلا منهم ، وسلكوا طريقة فيها لا يعرفها غيرهم - كما سلكت العرب في كلامها من التشبيهات والاستعارات - ليفهم بعضهم عن
الشيخ محيي الدين بن عربي ترجمة حياته من كلامه — صفحة 189 | محمود محمود الغراب