تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الشيخ محيي الدين بن عربي ترجمة حياته من كلامه — صفحة 188

مساهمون:

ص١٨٨
للرسل عليهم السلام ، وهؤلاء الذين عندنا اليوم لا قدر لهم عند كل عاقل ، فإنهم يستهزئون بالدين ، ويستخفون بعباد الله ، ولا يعظم عندهم إلا من هو معهم على مدرجتهم ، قد استولى على قلوبهم حب الدنيا وطلب الجاه والرياسة ، فأذلهم الله كما أذلوا العلم ، وحقرهم وصغرهم وألجأهم إلى أبواب الملوك والولاة من الجهال ، فأذلتهم الملوك والولاة ، فأمثال هؤلاء لا يعتبر قولهم ، فإن قلوبهم قد ختم الله عليها وأصمهم وأعمى أبصارهم ، مع الدعوى العويضة أنهم أفضل العالم عند نفوسهم . ولما كان الأمر في الوجود الواقع على ما سبق به العلم القديم كما ذكرناه ، عدل أصحابنا إلى الإشارات كما عدلت مريم عليها السلام من أجل أهل الإفك والإلحاد إلى الإشارة ، فكلامهم رضي الله عنهم في شرح كتابه العزيز - الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه - إشارات ، وإن كان ذلك حقيقة وتفسيرا لمعانيه النافعة ، ورد ذلك كله إلى نفوسهم ، مع تقريرهم إياه في العموم وفيما نزل فيه ، كما يعلمه أهل اللسان ، الذين نزل ذلك الكتاب بلسانهم ، فعم به سبحانه عندهم الوجهين ، فيسمون ما يرونه في نفوسهم إشارة ، ليأنس الفقيه صاحب الرسوم إلى ذلك ، ولا يقولون في ذلك إنه تفسير وقاية لشرهم وتشنيعهم في ذلك بالكفر عليه ، وذلك لجهلهم بمواقع خطاب الحق ، واقتدوا في ذلك بسنن الهدى ، فإن الله كان قادرا على تنصيص ما تأوله أهل الله في كتابه ، ومع ذلك فما فعل ، بل أدرج في تلك الكلمات الإلهية التي نزلت بلسان العامة علوم معاني الاختصاص ، التي فهّمها عباده ، حين فتح لهم فيها بعين الفهم الذي رزقهم ، ولو كان علماء الرسوم ينصفون ، لاعتبروا في نفوسهم إذا نظروا في الآية بالعين الظاهرة التي يسلمونها فيما بينهم ، فيرون أنهم يتفاضلون في ذلك ، ويعلو بعضهم على بعض في الكلام في معنى تلك الآية ، ويقر القاصر بفضل غير القاصر فيها ، وكلهم في مجرى واحد ، ومع هذا الفضل المشهود لهم فيما بينهم في ذلك ، ينكرون على أهل الله إذا جاؤوا بشيء مما يغمض عن إدراكهم ، وذلك لأنهم يعتقدون فيهم أنهم ليسوا بعلماء ، وأن العلم لا يحصل إلا بالقلم المعتاد في العرف ، وصدقوا ، فإن أصحابنا ما حصل لهم ذلك العلم إلا بالتعلم ، وهو الإعلام الرحماني الرباني ، فصدق علماء الرسوم عندنا فيما قالوا : - إن العلم لا يكون إلا بالتعلم ، وأخطأوا في اعتقادهم أن الله لا يعلم من ليس بنبي ولا رسول ، يقول الله :
يُؤْتِي