كذلك ، إنما هي قلوب عاكفة على باب الحضرة الإلهية ، مراقبة لما ينفتح له الباب ، فقيرة خالية من كل علم ، لو سئلت في ذلك المقام عن شيء ما سمعت ، لفقدها إحساسها ، فمهما برز لها من وراء ذلك الستر أمر ما بادرت لامتثاله ، وألفته على حسب ما يحد لها في الأمر ، فقد يلقى الشيء إلى ما ليس من جنسه - في العادة والنظر الفكري ، وما يعطيه العلم الظاهر والمناسبة الظاهرة للعلماء - لمناسبة خفية لا يشعر بها إلا أهل الكشف ، فإن الكشف هو الطريق الذي عليه أسلك ، والركن الذي إليه استند في علومي ، بل ثمّ ما هو أغرب عندنا ، أن يلقى إلى هذا القلب أشياء يؤمر بإيصالها وهو لا يعلمها في ذلك الوقت ، لحكمة إلهية غابت عن الخلق ، فقد ننقل من الواقعة والكشف جميع ما سطرته ، ولا يلزم أن أكون به عالما ، فإن النور الذي ينبسط من حضرة الجود على عالم الغيب في الحضرات الوجودية لا يعمها كلها ، ولا ينبسط عليها في حق المكاشف إلا على قدر ما يريد الله تعالى ، وذلك هو مقام الوحي ، دليلنا على ذلك لأنفسنا ذوقنا له ، ولغيرنا قوله تعالى لنبيه صلى اللّه عليه وسلم : «
وَما أَدْرِي ما يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا ما يُوحى إِلَيَّ
» مع غاية الصفاء المحمدي ، فلهذا لا يتقيد كل شخص يؤلف عن الإلقاء بعلم الباب الذي يتكلم عليه ، ولكن يدرج فيه غيره في علم السامع العادي على حسب ما يلقى إليه ، ولكنه عندنا قطعا من نفس ذلك الباب بعينه ، لكن بوجه لا يعرفه غيرنا ، فيجيء الشعر أحيانا لزوم ما يلزم من غير قصد ، فإن الله تعالى رتب على يدنا هذا الترتيب ، فتركناه ولم ندخل فيه برأينا ولا بعقولنا ، فالله يملي على القلوب بالإلهام من غير قصد ، فإنا لا نزيد في التقييد على ما نشاهده في الكشف ، بل ربما نرغب في نقص شيء منها مخافة التطويل ، فنسعف في ذلك من جهة الرقم واللفظ ونعطى لفظا يعم تلك المعاني التي كثرت ألفاظها ، فنلقيه فلا نخل بشيء من الإلقاء ، ولا ينقص ولا يظهر لذلك الطول الأول عين ، فينقضي المرغوب لله الحمد ، فنحن ما نعتمد في كل ما نذكره إلا على ما يلقي الله عندنا من ذلك ، لا على ما تحتمله الألفاظ من الوجوه ، وقد تكون جميع المحتملات في بعض الكلام مقصودة للمتكلم فنقول بها كلها ، وربما يقول من لا معرفة له بطريق الحقائق - التي هي نتيجة التصوف ، ولا علم له بصورة التجارة فيها ولا التصرف - إنه قشر على غير لباب ، وترجمة تروق بلا معنى ، واسم يهول بلا جسم ؛ فاعلم وفقك الله ، أن غرضي البيان الشافي في كل ما أصنفه ، والقول الكافي في كل ما