تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الشيخ محيي الدين بن عربي ترجمة حياته من كلامه — صفحة 185

مساهمون:

ص١٨٥
عاقل ، فقد خرجت باعتراضك على الصوفي في مثل هذه المسألة عن العلم والصدق والدين ، وانخرطت في سلك أهل الجهل والكذب والبهتان ، ونقص العقل والدين وفساد النظر والانحراف ، فخذ ما أتاك به هذا الصوفي واهتد على نفسك ، وفرغ لما أتاك به محلك حتى يبرز لك معناها ، أحسن من أن تقول يوم القيامة
قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِنْ هذا بَلْ كُنَّا ظالِمِينَ
. ( ف ج 1 / 32 ) .

طريقة الشيخ في التأليف :

اتضح لك مما سبق أن ما قاله الشيخ رضي الله عنه عن نفسه ، أنه كان يأخذ العلوم عن الأرواح الملكية ، وعن الملائكة ، وعن الأرواح المفارقة لأجسامها بالموت ، وعن اجتماعه بالأنبياء والرسل والأولياء والنبي صلى اللّه عليه وسلم في الوقائع والمبشرات والكشف ، وعن طريق الفيض الإلهي الناتج عن العمل بالتقوى ، ومن الوهب الإلهي بوهبه العلم اللدني من الوجه الخاص الذي لكل مخلوق ، وبالإلقاء والإملاء الإلهي ، فنراه يقول : الحمد لله الذي جعلني من أهل الإلقاء والتلقي ، فنسأله سبحانه أن يجعلنا وإياكم من أهل التداني والترقي ، فإني لا أتكلم إلا عن طريق الإذن ، وأنطق بما يجريه الله فينا من غير تعمل ولا روية ، كما أني أقف عندما يحد لي ، فتعين علينا أن نبين للخلق ما بينه الحق لنا ، هكذا أخذ العهد علينا فيما يجوز لنا الإبانة عنه والإفصاح به ، وأما ما أخذ الله علينا العهد على كتمانه ، فنشاهده من الخلق ولا نخبرهم بما هو ، فهم بحكم ما يتخيلون ونحن بحكم ما نعلم ، ولو عرفناهم بذلك ما قبلوا ، لأن استعدادهم لا يعطي القبول ، فما حجبناه عنهم إلا رحمة بهم .
فعلوم القوم من أنفسهم * وعلومي من إله حكما
( ف ج 2 / 438 ، 448 - ج 1 / 755 ، 58 ، 59 - ج 2 / 216 ، 484 - ديوان / 403 ) . فإن تأليفنا هذا - يعني الفتوحات المكية - وغيره لا يجري مجرى التواليف ، ولا نجري نحن فيه مجرى المؤلفين ، فإن كل مؤلف إنما هو تحت اختياره ، وإن كان مجبورا في اختياره ، أو تحت العلم الذي يبثه خاصة ، فيلقي ما يشاء ويمسك ما يشاء ، أو يلقي ما يعطيه العلم ، وتحكم عليه المسألة التي هو بصددها حتى تبرز حقيقتها ، ونحن في تواليفنا لسنا
الشيخ محيي الدين بن عربي ترجمة حياته من كلامه — صفحة 185 | محمود محمود الغراب