سبب اشتغال الشيخ بالعلم وبثه :
سبحان من صيرني عالما * من بعد ما كنت كالغمر
قد كنا بفاس من بلاد المغرب في جماعة يتلون آيات الله آناء الليل والنهار ، سلكنا هذا المسلك لموافقة أصحاب موفقين ، كانوا لنا سامعين وطائعين ، ففقدنا لفقدهم هذا العمل الخالص ، وهو أشرف الأرزاق وأعلاها ، فأخذنا لما فقدنا مثل هؤلاء في بث العلم ، من أجل الأرواح الذين غذاؤهم العلم ، ورأينا أن لا نورد شيئا منه إلا من أصل مطلوب لهذا الصنف الروحاني وهو القرآن ، فجميع ما نتكلم فيه في مجالسي وتصانيفي إنما هو من حضرة القرآن وخزائنه ، أعطيت مفتاح الفهم فيه والإمداد منه ، وهذا كله حتى لا نخرج عنه ، فإنه أرفع ما يمنح ، ولا يعرف قدره إلا من ذاقه ، وشهد منزلته حالا من نفسه ، وكلمه به الحق في سره ، فما خرجنا بحمد الله عن الكتاب والسنة .
إن جاءكم نص بضد الذي * ذكرته مع الهدى يمشي
تمسكوا منه بأهدابه * وألقوا الذي ذكرت في الحش
( ديوان / 83 - ف ج 3 / 334 - ج 1 / 404 ) .
فإني أرجو من الله أن ينفعني بمن علم مني ما ذكرته في كلامي هذا من العلم بالله ، الذي لا تجده فيما تقدم من كتب المؤلفين في هذا الفن ، وفيه نكت لست تراها في كلام أحد منقول عن أسرار هذه الطريقة غير كلامنا ، ولولا ما ألقي عندي في إظهارها ما أظهرتها ، لسر يعلمه الله ما أعلمنا به ، وفيه مسائل لا تجدها محققة على ما ذكرت فيها ، لأنني ما رأيت أحدا حقق فيها ما ذكرته ، فإن بعض العلوم ما رأيت أحدا نبه عليها قبلي ، إلا إن كان وما وصل إليّ ، فإنه لا بد لأهل الله المحققين من إدراك هذه العلوم ، ولكن قد لا يجريه الله على ألسنتهم ، أو يتعذر على بعضهم العبارة عن ذلك ، وهذا كله نقطة من كلمة من القرآن العزيز ، فما عندنا من الله إلا الفهم فيه من الله ، وهو الوحي الإلهي الذي أبقاه الحق علينا .
استغفر الله من علم أفوه به * فإن قائله منهم على خطر
وهو الصحيح الذي لا شك يدخلني * فيه ولكنني منه على حذر
وقد أتيت به لحكمة حكمت * عليّ فيه على ما جاء في القدر