تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الشيخ محيي الدين بن عربي ترجمة حياته من كلامه — صفحة 177

مساهمون:

ص١٧٧
وقد ذقناه ، وذهب بعضهم منهم صاحبنا الشيخ الإمام أبو عبد الله الكتاني بمدينة فاس ، سمعته يقول : لا بد أن يفتح له في الدليل من غير فكر ، ويرى ارتباطه بمدلوله ، فعلمت أن الله ما فتح عليه في مثل هذا العلم إلا على هذا الحد ، فقال أيضا ذوقه ، فإخباره أنه كذا رآه صحيح ، وحكمه أنه لا يكون إلا هكذا باطل ، فإن حكمه كان عن نظره لا عن كشفه ، فإنه ما أخبر عن الله أنه قال له هكذا أفعله ، وإن غير هذا الرجل من أهل هذا الشأن ، قد أدرك ما ذهبنا إليه ولم يعرف دليله العقلي ، فأخبر كل واحد بما رآه ، وصدق في إخباره ، وما يقع الخطأ قط في هذا الطريق من جهة الكشف ، ولكن يقع من جهة التفقه فيه فيما كشف ، إذا كان كشف حروف أو صور ، فإذا خالف الكشف الذي لنا كشف الأنبياء عليهم السلام ، كان الرجوع إلى كشف الأنبياء عليهم السلام ، وعلمنا أن صاحب ذلك الكشف قد طرأ عليه خلل ، بكونه زاد على كشفه نوعا من التأويل بفكره ، وما رأينا ولا سمعنا عن صاحب كشف إلهي من المؤمنين خالف كشفه ما جاءت به الرسل جملة واحدة ولا تجده . ( ف ج 3 / 7 ، 311 ) .

من هم أهل الكشف ؟

إن الله أخذ بأكثر أبصار جنس الإنس والجان عن إدراك النفوس المدبرة الناطقة ، التي للمسمى جمادا ونباتا وحيوانا ، وكشف لبعض الناس عن ذلك ، والدليل السمعي على ما قلناه قول الله :
وَإِنَّ مِنْها
يعني من الحجارة
لَما يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ
فوصفها بالخشية ، وأما أمثالنا فلا يحتاج إلى خبر في ذلك ، فإن الله قد كشفها لنا عينا ، وأسمعنا تسبيحها ونطقها لله الحمد على ذلك ، فصاحب الكشف لا يمكن أن يقسّم العالم إلى حي وإلى غير حي ، بل هو عنده كله حي ، ولكن تنسب عندنا الحياة لكل حي ، بحسب حقيقة المنعوت بها المسمى عند أهل الكشف والشهود ، لا عند من لا يرى الحياة إلا في غير الجماد والنامي في نظره ، فحديث الله في الصوامت عند العامة ، علماء الرسوم حديث حال ، وأما عند أهل الكشف فيسمعون نطق كل شيء من جماد ونبات وحيوان ، بسمعه المقيد بأذنه في عالم الحس لا في الخيال ، كما يسمع نطق المتكلم من الناس ، والصوت من أصحاب الأصوات ، فما عندنا في الوجود صامت أصلا ، بل الكل ناطق بالثناء على الله ، فإن المسمى بالجماد والنبات عندنا لهم أرواح ، بطنت عن إدراك غير أهل الكشف إياها في