تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الشيخ محيي الدين بن عربي ترجمة حياته من كلامه — صفحة 18

مساهمون:

ص١٨

والده :

نشأ الشيخ في سعة من العيش ، فقد كان أبوه علي بن محمد ، من خواص السلطان بإشبيلية ، قيل : كان أبوه وزير صاحب إشبيلية سلطان الغرب ، حيث انتقل من مرسية إلى إشبيلية سنة ثمان وستين وخمسمائة ، ومع ذلك لم يكن والده غريبا عن طريق أهل اللّه ، فيقول الشيخ عن والده : استدعيت الشيخ أبا محمد عبد اللّه القطان ليبيت عندي ، فلما أخذ مجلسه ، جاء والدي رحمه اللّه تعالى - وكان من أصحاب السلطان - فلما دخل وسلم عليه ، وكان والدي قد شاب ، فلما صلينا العشاء قدمت له الطعام ، وقعدت آكل ، وانضم إلينا والدي يغتنم بركته ، فرد إليه وجهه رضي اللّه عنه وقال : يا شيبة منحوسة ، أما آن لك أن تستحيي من اللّه ؟ إلى متى تصحب هؤلاء الظلمة ؟ ما أقل حياءك ! ! أأمنت من الموت أن يأتيك وأنت على شر حالة ، أما لك في ابنك هذا - وأشار إليّ - موعظة ؟ شاب صغير في شهوته ، قمع هواه وطرد شيطانه ، وعدل إلى اللّه تعالى يصاحب أهل اللّه ، وأنت شيخ سوء على شفا حفرة من النار ؛ فبكى والدي واعترف ، وأنا من ذلك كله أتعجب ؛ وكان أبي كثيرا ما ينشد :
الحمد للّه ليس الرزق بالطلب * ولا العطايا على فهم ولا أدب إن قدّر اللّه شيئا كنت نائله * وليس ينفعني حرصي ولا نصبي
( روح القدس في محاسبة النفس - المسامرات ج 1 / 312 ) .

وفاة والده :

أخبرني والدي قبل أن يموت بخمسة عشر يوما بموته ، وأنه يموت يوم الأربعاء ، وكذلك كان ، فلما كان يوم موته ، وكان مريضا شديد المرض ، استوى قاعدا غير مستند ، وقال لي : يا ولدي ، اليوم يكون الرحيل واللقاء ، فقلت له : كتب اللّه سلامتك في سفرك هذا ، وبارك لك في لقائك ، ففرح بذلك ، وقال لي : جزاك اللّه يا ولدي عني خيرا ، كل ما كنت أسمعه منك تقوله ولا أعرفه ، وربما كنت أنكر بعضه ، هو ذا أنا أشهده ؛ ثم ظهرت على جبينه لمعة بيضاء ، تخالف لون جسده ، من غير سوء ، له نور يتلألأ ، فشعر بها الوالد ، ثم إن تلك اللمعة انتشرت على وجهه إلى أن عمت بدنه ، فقبلته ووادعته وخرجت من عنده ، وقلت له : أنا أسير إلى المسجد الجامع إلى أن يأتيني نعيك ، فقال
الشيخ محيي الدين بن عربي ترجمة حياته من كلامه — صفحة 18 | محمود محمود الغراب