فمسك لجام فرسه وسلم على الشيخ ، فرد عليه السلام ، وكان على الملك ثياب فاخرة ، فكلمه بأشياء ، فمن بعض ما كلمه الملك أن قال له : يا شيخ هذه الثياب التي أنا لابسها تجوز لي الصلاة فيها ؟ فاستغرق العابد ضحكا ، فقال له الملك : مم تضحك ؟ فقال :
من سخف عقلك ، وجهلك بنفسك وحالك ، ما رأيت لك أيها الملك في هذه المسألة شبيها إلا الكلب ، قال : وكيف ؟ قال : الكلب يتمعك في الجيفة وأكلها وقذراتها ويتلطخ بدمها ، فإذا جاء يبول يرفع رجله حتى لا يصيبه البول ، وأنت وعاء مليء حراما ، حرام كلك ، وتسأل عن ثيابك ومظالم العباد في عنقك ؛ فاستعبر الملك وبكى ، ونزل من حينه عن دابته ، وتجرد عن ثيابه ، فرمى عليه بعض العامة من أهل الدين ثوبا ، وخرج عن ملكه من حينه ، وقال لأهل دولته : انظروا لأنفسكم فلست لكم بصاحب ؛ واقتفى أثر العابد ولزم خدمته ، فصعد معه إلى العبادة بموضع عال بقبلة تلمسان ، فمسكه الشيخ ثلاثة أيام ، ثم جاءه بحبل فقال له : أيها الملك قد فرغت أيام الضيافة ، قم فاحتطب ؛ فكان يأتي بالحطب على رأسه ، ويدخل به السوق ، والناس ينظرون إليه ويبكون ، فيبيع ويأخذ قوته ويتصدق بالباقي ، ولم يزل في بلده ذلك حتى درج ، ودفن خارج تربة الشيخ ، وقبره اليوم بها يزار ، فكان الشيخ إذا جاءه الناس يطلبون أن يدعو لهم ، يقول لهم :
التمسوا الدعاء من يحيى بن يوغان ، فإنه خرج عن قدرة ، ملك فزهد ، ولو ابتليت بما ابتلي به من الملك ربما لم أزهد .
( روح القدس ، ف ج 1 / 185 ، المسامرات ج 2 / 26 ف ج 2 / 18 ) .
زوجاته رضي اللّه عنه :
لم يذكر الشيخ رضي اللّه عنه عن زوجاته بالمغرب شيئا ، كما ذكر عن أزواجه بعد رحلته إلى المشرق ، كما لم يذكر أن أحدا من النساء رافقته في رحلته التي استقر بعدها في مكة ، بل على العكس من ذلك فإنه يترجح لدينا أنه لم يكن له زوجة بالمغرب ، حيث يذكر في سلوكه عند تجرده من الدنيا ، أنه يشترط في رمي ما تملكه اليد ، أن يكون المتجرد وحده ، لا تكون له عائلة ، وقد خرج رضي اللّه عنه من كل ما يملك ، حتى الثوب يلبسه يكون عارية ، فإنه يقول : النساء جعلهن اللّه زهرة حيث كن ، فإذا كن في الدنيا ، كن زهرة الحياة الدنيا ، فوقع النعيم بهن حيث كن ، وأحكام الأماكن تختلف ، فهن وإن خلقن