ومن علوم الوهب العلم عن النظرة ، والضربة ، والرمية ، وكيف تقوم هذه الأمور مقام كلام العالم للمتعلم ، وذوقنا من هذا الفن ذوق النظرة ، فتستفاد علوم كثيرة من مجرد ضرب أو نظر ، وقد رأينا هذا كله بحمد الله من نفوسنا فلا نشك فيه ، وما أشبّهه إلا بأبواب مغلقة ، فإذا فتحت الأبواب ، وتجلى لك ما وراءها ، أحطت بالنظرة الواحدة علما بها ، كما يفتح الإنسان عينه في اللمحة الواحدة فيدرك من الأرض إلى فلك البروج .
لما لزمت قرع باب الله * كنت المراقب لم أكن باللاهي
حتى بدت للعين سبحة وجهه * وإلى هلمّ لم تكن إلا هي
فاحطت علما بالوجود فما لنا * في قلبنا علم بغير الله
لو يسلك الخلق الغريب محجتي * لم يسألوك عن الحقائق ما هي
( ف ح 2 / 608 - ح 3 / 39 ) .
الكشف :
العلم أشرف ما يؤتيه من منح * والكشف أعظم منهاج وأوضحه
فإن سألت إله الحق في طلب * فسله كشفا فإن الله يمنحه
وأدمن القرع إن الباب أغلقه * دعوى الكيان وجود الله يفتحه
إذا ثبت أن علم العقل قابل للشبه ، وأن علم الأحوال كذلك ، تبين لك أن العلم الصحيح لا يعطيه الفكر ، ولا ما قررته العقلاء من حيث أفكارهم ، ولهذا اختلفت مقالاتهم ، فإن كان العلم قد حصل عن نظر في دليل عقلي ، فإن مثل ذلك ليس عندنا بعلم ، لتطرق الشبهة على صاحبه وإن وافق العلم ، وإنما العلم من لا يقبل صاحبه شبهة ، وذلك ليس إلا علم الأذواق ، فذلك الذي نقول فيه إنه علم ، فإن الأذواق بمنزلة الأدلة لأصحاب النظر في العلوم . فالعلم الصحيح إنما هو ما يقذفه الله في قلب العالم ، وهو نور إلهي يختص به من يشاء من عباده ، من ملك ورسول ونبي وولي ومؤمن ، ومن لا كشف له لا علم له ، فكل علم لا يكون عن ذوق ليس بعلم أهل الله ، قال تعالى :
فَسْئَلْ بِهِ خَبِيراً
الضمير في قوله به يعود على الاستواء ، أي فاسأل بالاستواء خبيرا ، يعني كل من حصل له ذلك ذوقا كأمثالنا ، فإن أهل الله ما علموا الذي علموه إلا ذوقا ، ما هو عن فكر ولا عن تدبر . ( ف ج 3 / 456 - ج 1 / 218 - ج 2 / 473 ، 574 - ج 1 / 218 - ج 2 / 574 - ج 3 / 431 ) .