تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الشيخ محيي الدين بن عربي ترجمة حياته من كلامه — صفحة 174

مساهمون:

ص١٧٤
أصحاب القلوب والمشاهدات والمكاشفات ، لا العباد ولا الزهاد ولا مطلق الصوفية ، إلا أهل الحقائق والتحقيق منهم ، فما عدا هذه الطريقة الإلهية في التعليم ، فإنما هو غلبة ظن ، أو مصادفة علم ، أو جزم على وهم ، وأما علم فلا ، فإن جميع الطرق الموصلة إلى العلم فيها شبه ، لا تثق النفس الطاهرة التي أوقفها الله على هذه الشبه ، أن تقطع بحصول علم منها ، إلا بالطريقة الإلهية وهي قوله تعالى :
إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقاناً
وقوله :
خَلَقَ الْإِنْسانَ عَلَّمَهُ الْبَيانَ
فهو يبين عما في نفسه ، فلا علم لأحد إلا من علمه الله ، فنأخذ بالكشف عند التعمل بالتقوى ، فيتولى الله تعليمنا بالتجلي ، فنشهد ما لا تدركه العقول بأفكارها ، مما ورد به السمع ، وأحاله العقل ، وتأوله عقل المؤمن ، وسلمه المؤمن الصرف .
تغيرت لما أن تغير لي المجرى * لذا جئت شيئا خارقا عندكم إمرا فياليت شعري من يسير بسيرنا * إلى حضرة ذوقيّة شربها أمرا إذا رويت أكبادنا من شرابها * وأحدث في الأكوان من شربها أمرا وصحت لنا في العالمين خلافة * خلعت بها عن ذاته النهي والأمرا
( ف ج 4 / 112 - ج 3 / 357 - ج 1 / 261 - ج 4 / 80 - ج 2 / 389 - ديوان / 96 ) . وأهل الله من الأنبياء والأولياء ينسبون فيما يدركونه من العلوم على غير الطرق المعتادة ، إلى الصفة التي أدركوا بها المعلومات ، فيقولون فلان صاحب نظر ، أي بالنظر يدرك جميع المعلومات ، وهذا ذقته مع رسول الله صلى اللّه عليه وسلم وفلان صاحب سمع ، وفلان صاحب طعم ، وصاحب نفس وأنفاس يعني الشم ، وصاحب لمس ، فكل نفس من الأنفاس الرحمانية في العالم الإنساني ، علم إلهي مستقل عن تجل خاص ، فمن شم من هذه الأنفاس رائحة عرف مقدارها ، وفيها تفريج الكرب ، ودفع النوب ، وما رأيت من أهلها من هو معروف عند الناس ، وأكثر ما يكونون من بلاد الأندلس ، واجتمعت بواحد منهم بالبيت المقدس وبمكة ، فسألته يوما في مسألة فقال لي : هل تشم شيئا ؟ فعلمت أنه من أهل ذلك المقام ، وخدمني مدة ، وكان لي عم أخو والدي شقيقه ، اسمه عبد الله بن محمد بن العربي ، كان له هذا المقام حسا ومعنى ، شاهدنا ذلك منه قبل رجوعنا لهذا الطريق في زمان جاهليتي . ( ف ج 1 / 214 ، 185 ) .