تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الشيخ محيي الدين بن عربي ترجمة حياته من كلامه — صفحة 176

مساهمون:

ص١٧٦
وفي الأولياء ، ابتداء المكاشفات لهم في عالم الشهادة ، وهو ما يدرك بالحس في أول سلوكهم ، فإن المريد أول ما يكشف له عن المحسوسات ، فيرى رجلا مقبلا أو على حالة ما ، وبينهما البعد المفرط والأجسام الكثيفة ، بحيث أن يراه بمكة ، أو يرى الكعبة ، وهو بأقصى المغرب ، وهذا كثير عند المريدين في أول أحوالهم ، ذقت ذلك كله ، ولله الحمد ، ثم ينتقلون عن ذلك - إن كانوا من أهل العناية والاختصاص بالوراثة النبوية - إلى عالم الغيب الذي يدرك بعين البصيرة ، وليس بينه وبينها مسافة ولا بعد ولا قرب مفرط ، وحجابه إنما هو الران والقفل والكن ، وقد ارتفعت بالمجاهدات فلاحت أعلام الغيوب ، لكن ثمّ أمر تدركه ، وهو إن انجلت عين البصيرة فإن ثمّ حجابا آخر إلهيا ، وهو أن النور الذي ينبسط من حضرة الجود على المغيبات في الحضرات الوجودية ، ليس يعمها إلا على قدر ما يريد الله تعالى أن يكشف لك منها ، مع أنك في غاية الصفاء والجلاء ، وذلك هو مقام الوحي ، دليلنا على ذلك لأنفسنا ذوقنا له ، ولغيرنا قوله تعالى :
قُلْ
. . .
وَما أَدْرِي ما يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا ما يُوحى إِلَيَّ
مع غاية الصفاء النبوي ، فكيف بالولي الذي ما فتح له من الطرق خرت إبرة ، فهذا هو الحجاب الإلهي ، وهو في الكتاب العزيز :
وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ
فقوله :
إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا ما يُوحى إِلَيَّ
هو قدر ما يكشف له من عالم الغيب ، فيرى تأثيره في عالم الشهادة ، فيتكلم به على ذلك الحد ، فيقول يكون كذا ، ولا يكون كذا ، وعاقبة أمر ما كذا إلى كذا ، على قدر الكشف ، وهذا الحجاب الإلهي لا يمكن رفعه عقلا ، ولو بلغ المرء أعلى الغايات ، بدليل أن هذا الحجاب إنما هو العلم الأزلي المتعلق بمعلومات غير متناهية ، وكل ما حصره الوجود فهو متناه ، ولا تكشف عين البصيرة إلا ما دخل في الوجود بوجه ما من أوجه مراتب الوجود . ( التدبيرات الإلهية ) .

الكشف لا يخطئ :

الكشف لا يخطئ أبدا ، والمتكلم في مدلوله يخطئ ويصيب ، إلا أن يخبر عن الله ، كصاحب الرؤيا فإن كشفه صحيح وأخبر عما رأى ، ويقع الخطأ في التعبير لا في نفس ما رأى ، وقد اختلفنا فيما يستقل العقل بإدراكه إذا أخذه الولي من طريق الكشف والفتح ، هل يفتح له مع دليله أم لا ؟ فذهبنا نحن إلى أنه قد يفتح له فيه ، ولا يفتح له في دليله ،