تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الشيخ محيي الدين بن عربي ترجمة حياته من كلامه — صفحة 172

مساهمون:

ص١٧٢
الألفاظ النبوية ، إذ لو كان في العبارة عنها ما هو أفصح منها لأطلقها صلى اللّه عليه وسلم ، فإنه المأمور بتبيين ما أنزل به علينا ، ولا نعدل إلى غيرها لما نريده من البيان ، مع التحقق ب
لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ
فإنا إذا عدلنا إلى عبارة غيرها ، ادعينا بذلك أنا أعلم بحق اللّه وأنزه من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وهذا أسوأ ما يكون من الأدب ، ثم إن المعنى لا بد أن يختل عند السامع ، إذا كان ذلك اللفظ الذي خالفت به لفظ من كان أفصح الناس وهو رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، والقرآن ، لا يدل على ذلك المعنى بحكم المطابقة ، فشرع لنا التأسي ، وغاب هذا المنكر المكفر من أتى بمثل هذا ، عن النظر في هذا كله ، وذلك لأمرين أو لأحدهما ، إن كان عالما فلحسد قام به ، قال تعالى :
حَسَداً مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ
وإن كان جاهلا فهو بالنبوة أجهل . ( ف ج 1 / 254 ، 201 ) . فنحن ومن جرى مجرانا من أهل الطريق - ممن خص بكشف خاص لله الحمد - لا نرمي بشيء مما يرد علينا من ذلك ، ولا ندفع به جملة واحدة ، سواء اقتضاه علمنا واستعدادنا التعملي أو لم يقتضه ، فإن الاقتضاء غير لازم عندنا في كل شيء ، بل أوجد الله ما يريد في أي محل يريد ، كما أنا لا نرمي أيضا بشيء مما أعطانا الله على يد واسطة ، مذمومة كانت تلك الواسطة أو محمودة ، كما فعل سليمان عليه السلام ، أو بارتفاع الوسائط ، سواء كان ذلك منهيا عنه أو مأمورا به ، فإن الله قد أعطانا من القوة وعلم السياسة ، بحيث نعلم كيف نأخذ ، وإذا أخذنا كيف نتصرف به وفيه ، وفي أي محل نتصرف به ، وهذا مخصوص بأهل السماع من الحق دائما ، وهو طريقنا وعليه عمل أكابرنا ، ويحتاج إلى علم وافر ، وعقل حاضر ، ومشاهدة دائمة ، وعين لا تقبل النوم ولا تعرفه ، وتتحقق بذلك تحقيقا يسري معها حسا ، وفي حال نومها خيالا ، وفي حال فنائها وغيبتها تحققا ، وهو مقام عزيز مخصوص بالأفراد منا ، وعلم الأنبياء أكثره من هذه العلوم التي ليس لها مستند ، ولهذا كانت النبوة اختصاصا من الله ، لا بعمل ولا بتعمل ، ونحن ورثنا هذا المقام من عين المنة ، فحصلنا من العلوم التي لا مستند لها يطلبها - ما عدا النبوة - كثيرا ، تعرفها أسرارنا دون نفوسنا ، فلذلك لا يظهر علينا منها شيء ، فإنه لا تعلق لها بالكون ، فإن الحقائق لا تدرك بدقيق فكر ولا نظر ، بل بعلم موهوب من علوم الكشف ونتائج المجاهدات المصاحبة للهمم ، فإن مجاهدة بغير همة غير منتجة شيئا ، ولا مؤثرة في العلم ، لكن تؤثر في الحال من رقة وصفاء
الشيخ محيي الدين بن عربي ترجمة حياته من كلامه — صفحة 172 | محمود محمود الغراب