تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الشيخ محيي الدين بن عربي ترجمة حياته من كلامه — صفحة 171

مساهمون:

ص١٧١
أنه إذا علم شيئا فهو صاحب ذوق له ، وليس الأمر كذلك ، فإن الذوق لا يكون إلا عن تجل ، والعلم قد يحصل بنقل الخبر الصادق الصحيح . ( ف ج 1 / 33 - ج 2 / 546 ) .

العلم الوهبي والعلم الكسبي :

العلوم على ضربين ، علم الوهب وعلم الكسب ، فنحن نعلم أن ثم علما اكتسبناه من أفكارنا ومن حواسنا ، وثمّ علما لم نكتسبه بشيء من عندنا ، بل هبة من الله عز وجل في قلوبنا وعلى أسرارنا ، فوجدناه من غير سبب ظاهر ، وهي مسألة دقيقة ، فإن أكثر الناس يتخيلون أن العلوم الحاصلة عن التقوى علوم وهب ، وليست كذلك ، وإنما هي علوم مكتسبة بالتقوى ، فإن التقوى جعلها الله طريقا إلى حصول هذا العلم ، كما جعل الفكر الصحيح سببا لحصول العلم ، لكن بترتيب المقدمات ، كما جعل البصر سببا لحصول العلم بالمبصرات ، والعلم الوهبي لا يحصل عن سبب بل من لدنه سبحانه ، فاعلم ذلك حتى لا تختلط عليك حقائق الأسماء الإلهية ، وأريد بالاكتساب في العلوم ما يكون للعبد فيه تعمل ، كما أن الوهب ما ليس للعبد فيه تعمل ، وإنما قلنا هذا من أجل الاستعدادات التي جعلت العالم يقبل هذا العلم الوهبي والكسبي ، فإنه لا بد من الاستعداد ، فإن وجد بعض الاستعدادات مما يتعمل الإنسان في تحصيلها كان العلم الحاصل عنها مكتسبا ، كمن عمل بما علم ، فأورثه الله علم ما لم يكن يعلم ، فالشرائع كلها علوم وهبية ، وممن حصل علوم الوهب - مما ليس بشرع - جماعة قليلة من الأولياء ، منهم الخضر على التعيين ، فإنه تعالى قال :
وَعَلَّمْناهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْماً
وقال :
لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ
ففتح لنا وندبنا إلى التأسي به صلى اللّه عليه وسلم وقال :
فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ
فمن التأسي به إذا ورد علينا من الحق سبحانه وارد حق ، فعلمنا من لدنه علما فيه رحمة حبانا الله بها وعناية ، حيث كنا في ذلك على بينة من ربنا ، ويتلوه شاهد منا وهو اتباعنا سنته وما شرع لنا ، لم نخل بشيء منها ، ولا ارتكبنا مخالفة بتحليل ما حرم الله أو تحريم ما أحل ، فنطلب لذلك المعلوم الذي علمناه من جانب الحق أمثال هذه العبارات النبوية ، لنفصح بها عن ذلك ، ولا سيما إذا سئلنا عن شيء من ذلك ، لأن الله أخبر عمن هذه صفته أنه يدعو إلى الله على بصيرة ، فمن التأسي المأمور به برسول الله صلى اللّه عليه وسلم أن نطلق على تلك المعاني هذه