تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الشيخ محيي الدين بن عربي ترجمة حياته من كلامه — صفحة 168

مساهمون:

ص١٦٨
السامع ، الذي لا يفهم ذلك الاصطلاح ، ولا تلك العبارة ، فإن علوم الأذواق والكيفيات وإن قبلت لا تنقال ، ولكن لما كان القول بها والعبارة عنها لإفهام السامع ، لذلك قالوا ما ينقال ، ولا يلزم ما لا يفهم السامع المدرك له ، أن لا يصطلح مع نفسه على لفظ يدل به على ما ذاقه ، ليكون له ذلك اللفظ منبها ومذكرا له إذا نسي ذلك في وقت آخر ، وإن لم يفهم عنه من لا ذوق له فيه ، وشبه الأحوال من جنسها في أهل الذوق ، كمن يغلب على محل طعمه المرة الصفراء فيجد العسل مرا وليس كذلك ، فإن الذي باشر محل الطعم إنما هو المرة الصفراء . والعلم الثالث « علم الأسرار » وهو العلم الذي فوق طور العقل ، وهو علم نفث روح القدس في الروع ، يختص به النبي والولي ، وهو نوعان : نوع منه يدرك بالعقل كالعلم الأول من هذه الأقسام ، لكن هذا العالم به لم يحصل له عن نظر ، ولكن مرتبة هذا العلم أعطت هذا ، والنوع الآخر على ضربين ، ضرب منه يلتحق بالعلم الثاني لكن حاله أشرف ، والضرب الآخر من علوم الأخبار ، والعالم بهذا الصنف الثالث الذي هو علم الأسرار يعلم العلوم كلها ويستغرقها كلها ، وليس صاحب تلك العلوم كذلك ، ولا علم أشرف من هذا العلم المحيط الحاوي على جميع المعلومات ، وما بقي إلا أن يكون المخبر به صادقا عند السامعين له معصوما ، هذا شرطه عند العامة ، وأما العاقل اللبيب الناصح نفسه فلا يرمي به ، ولكن يقول : - هذا جائز عندي أن يكون صدقا أو كذبا ، وكذلك ينبغي لكل عاقل إذا أتاه بهذه العلوم غير المعصوم ، وإن كان صادقا في نفس الأمر فيما أخبر به ، ولكن كما لا يلزم هذا السامع صدقه لا يلزمه تكذيبه ، ولكن يتوقف ، وإن صدّقه لم يضره ، لأنه أتى في خبره بما لا تحيله العقول ، بل بما تجوزه أو تقف عنده ، ولا يهد ركنا من أركان الشريعة ، ولا يبطل أصلا من أصولها ، فإذا أتى بأمر جوزه العقل وسكت عنه الشارع ، فلا ينبغي لنا أن نرده أصلا ، ونحن مخيرون في قبوله ، والحكيم عبارة عمن جمع العلم الإلهي والطبيعي والرياضي والمنطقي ، وما ثمّ إلا هذه المراتب من العلوم ، وتختلف الطرق في تحصيلها بين الفكر والوهب ، وهو الفيض الإلهي ، فعلوم النبوة والولاية وراء طور العقل ، ليس للعقل فيها دخول بفكر ، لكن له القبول خاصة عند السليم العقل ، الذي لم يغلب عليه شبهة خيالية فكرية ، يكون من ذلك فساد نظره ، فإن العقل بين النظر والقبول . ( ف ح 1 / 31 ، 483 - ح 2 / 482 - ح 1 / 31 - ح 3 / 260 - ح 1 / 483 ، 261 ) .
الشيخ محيي الدين بن عربي ترجمة حياته من كلامه — صفحة 168 | محمود محمود الغراب