ليس بمادة ، فإذا كان متضلعا في المعرفة بالله ، لم ير المعاني في مواد ولا رأى المواد في غير نفسها ، فأدرك كل شيء في شيئيته ، كانت ما كانت ، وهذا هو الإدراك الذي يعول عليه لأنه بريء من التلبيس ، ولا يصح بوجه من الوجوه أن يشهد الإنسان محض عبوديته ، ولا يقام في عبادته المحضة التي لا يخالطها شيء من الربوبية ، التي تعطيه الصورة التي خلق عليها ، إلا عن تجل إلهي ، فإذا لم يكن تجل فإن الإنسان يقام في الصورة التي خلق عليها ، فيكون عبدا ربا ، مالكا مملوكا مثل العامة سواء ، غير أن الفارق بينه وبينهم ، أنه للعامة اعتقاد ، ولعلماء الرسوم علم ، ولهذه الطائفة شهود ، وهو العبد الممتزج الظاهر بالحقيقتين ، وما يتخلص من هذا المزج إلا أهل العناية ، الذين يعمرون هذه الأرض الواسعة التي لا نهاية لها ، وكل أرض سواها فمحدودة ليس لها هذا الحكم ، ولهذا أربابها كثيرون ، فإن لكل عبد فيها ملكا يملكه ويتصرف فيه ، فلا يتعدى غيره عليه ، وبنفس ما يملك منها كان مالكا وربا فيها ، وهذه الأرض الواسعة هي المتصرفة في سكانها ، الحاكمة عليهم بذاتها ، وهي مجلى الربوبية ومنصة المالك الحق ، وفيها يرونه ، فمن كان من أهلها حيل بينه وبين الصورة التي خلق عليها ، فكان عبدا محضا شاهدا ، يشاهد الحق في عين ذاته ، فالشهود له دائم ، والحكم له لازم ، وهؤلاء هم المسودون الوجه في الدنيا والآخرة ، إذا علمت ذلك فالرب رب ، والعبد عبد ، فلا تغالط ولا تخالط ، فإذا أقامك الحق في العبودة المطلقة - التي ما فيها ربوبية - فأنت خليفة له حقا ، وقد رأيت رؤيا سررت بها واستيقظت وأنا أنشد بيتا كنت قد عملته قبل هذا في نفسي ، وهو من باب الفخر وهو :
في كل عصر واحد يسمو به * وأنا لباقي العصر ذاك الواحد
وذلك أني ما أعرف اليوم في علمي من تحقق بمقام العبودية أكثر مني ، وإن كان ثمّ فهو مثلي ، فإني بلغت من العبودية غايتها ، فأنا العبد المحض الخالص ، لا أعرف للربوبية طعما . ( ف ج 3 / 224 ، 250 ، 224 ، 371 ، 41 - المسامرات / ج 1 / 349 ) .
شفاعة الشيخ يوم القيامة :
الولي لا ينسى من يعرفه ، وإن كان الشيخ لا يعرفه ، فيسأل الله تعالى أن يغفر ويعفو عمن سمع بذكره ، فسبه وذمه ، أو أثنى عليه خيرا ، وهذا ذقته من نفسي وأعطانيه ربي بحمد الله ، وعدني بالشفاعة يوم القيامة فيمن أدركه بصري ممن أعرف ومن لا أعرف ،