من حضرة القدس فهي مقرها ، ولا يتصف بها إلا من له عند الله أرفع المنازل ، فإن كان رسولا فأرفع المنازل في الرسالة ، وإن كان نبيا فأرفع المنازل في النبوة ، وإن كان وليا فأرفع المنازل في الولاية ، وإن كان مؤمنا فأرفع المنازل في الإيمان ، وإن كان نصرانيا أو مجوسيا أو يهوديا أو معطلا فهو في أرفع المنازل بها في صنفه وفي مقامه ، وإن المحل الذي تقوم به هذه الصفة لا بد لصاحبها إن كان على أي ملة كان أو نحلة ، أن يرجع إلى دين الهدى ، ويسلم ويؤمن ويبادر إلى مكارم الأخلاق ، عن كشف محقق وعلم صحيح ، فيكون أكمل الناس إيمانا وأعظمهم منزلة عند الله ، عارفا بمنازل الرسل والأنبياء عليهم السلام وفضل بعضهم على بعض والأولياء والمؤمنين ، فإن الصفة التي قادته إلى الإسلام أعظم الصفات عند الله قدرا في حق العبد ، فتنزله المنازل العلية وترفعه في عليين ، ويتلقاه من الملائكة كل ملك كريم على الله ، محسن في عبادة ربه ، هو الذي ينزل إلى هذا العبد من عند الله للمناسبة التي بين هذا الملك وبينه ، فيأخذ بيده فيرفعه إلى منزل هذه الصفة في عليين ، فلا يكون في صنفه أعلى منه منزلة إلا من عمل بعمله ، فإنه في درجته ومعه .
( ف ج 3 / 18 ، 21 ) .
فالعبودية ذلة محضة خالصة ذاتية للعبد ، لا يكلّف العبد القيام فيها فإنها عين ذاته ، فإذا قام بحقها كان قيامه عبادة ، ولا يقوم بها إلا من يسكن الأرض الإلهية الواسعة ، التي تسع الحدوث والقدم ، فتلك أرض الله ، من سكن فيها تحقق بعبادة الله وأضافه الحق إليه . قال تعالى :
يا عِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي واسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ
يعني فيها ، فأرض الله التي هي ركن موجودة ، وأنت فيها مدفون ، وما أمرت بعبادة ربك ، وما دمت في أرض بدنك الواسعة مع وجود عقلك وسراج شرعك ، فأنت مأمور بعبادة ربك ، فهذه الأرض البدنية لك على الحقيقة أرض الله الواسعة التي أمرك أن تعبده فيها إلى حين موتك ، ولي مذ عبدت الله فيها من سنة تسعين وخمسمائة ، وأنا اليوم في سنة خمس وثلاثين وستمائة ، ولهذه الأرض البقاء ما هي الأرض التي تقبل التبديل ، ولهذا جعلها مسكن عباده ومحل عبادته ، والعبد لا يزال عبدا أبدا ، فلا يزال في هذه الأرض أبدا ، وهي أرض معنوية معقولة غير محسوسة ، وإن ظهرت في الحس كظهور تجلي الحق في الصور وتجلي المعاني في المحسوسات ، ولا تظهر المعاني في الصور الحسية إلا لقصور بعض النفوس عن إدراك ما