تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الشيخ محيي الدين بن عربي ترجمة حياته من كلامه — صفحة 159

مساهمون:

ص١٥٩
فشكرت الله على الاختصاص بتلك الشعرة ، غير طالب بالشكر الزيادة ، وكيف أطلب الزيادة من ذلك وأنا أسأل الحجاب الذي هو من كمال العبودية ، فسرت فيّ العبودة وظهر سلطانها ، وحيل بيني وبين مرتبة السيادة ، لله الحمد على ذلك ، وكم طلبت إليها وما أجبت « 1 » ، وهكذا إن شاء الله أكون في الآخرة عبدا محضا خالصا ، ولو ملكني جميع العالم ما ملكت منه إلا عبوديته خاصة ، حتى يقوم بذاتي جميع عبودية العالم . ( ف ج 2 / 588 ، 93 - ج 3 / 352 - ج 1 / 230 ) .

تحصيل الشيخ لمقام العبودية وإليه يدعو الناس :

قال صلى اللّه عليه وسلم : إن أبا بكر ما فضل الجماعة إلا بسر وقر في صدره ، وهو استيفاء مقام العبودة ، بحيث أنه لم يخل منه بشيء في حقه وفي حق رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فعلم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أن أبا بكر الصدّيق مع من دعاه إليه وهو الله تعالى ، ليس معه إلا بحكم أنه يرى ما يخاطبه الحق سبحانه به على لسان رسوله صلى اللّه عليه وسلم في كل خطاب يسمعه منه ، بل من جميع من يخاطبه ، وقد علّمه الحق في نفسه ميزان ما يقبل من خطابه وما يرد ، ونرجو إن شاء الله أن يكون مقامنا هذا ، ولا يجعلها دعوى غير صادقة ، فإني ذقت هذا المقام ذوقا لا مزاج فيه ، أعرفه من نفسي ، وما سمعته عن أحد ممن تقدمني بالزمان ، غير أبي بكر الصديق ، إلا واحدا من الرجال المذكورين في رسالة القشيري ، فإنه حكى عنه أنه قال : لو اجتمع الناس أن ينزلوا نفسي منزلتها مني من الخسة لم يستطيعوا ذلك ، وهذا ليس إلا لمن ذاق طعم العبودية ، لغيره لا يكون ، ولما شهدت لي جماعة أني على قدم أبي بكر الصديق من الصحابة ، علمت أنه ليس إلا مقام العبودة المحضة ، لله الحمد والشكر على ذلك ، فالله يجعل من نظر إليّ مرة واحدة من عمره أن يكون هذا نعته في نفسه دنيا آخرة . ( ف ج 3 / 372 ) . كان الأعبد إذا أطالوا الجلوس مع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، يشير إليهم بعض الصحابة مثل أبي بكر وغيره ، أن يقوموا حتى يتسرح رسول الله صلى اللّه عليه وسلم لبعض شؤونه ، فهذا من غيرة الله لعبده الفقير المنكسر ، وهو من أعظم دليل على شرف العبودة والإقامة عليه ، وهو المقام الذي ندعو له الناس ، فإن جميع النفوس يكبر عندهم رب الجاه ، ورب المال ، واعلم أن هذه الصفة - صفة العبودية والذلة والافتقار - التي نبهتك عليها ، أعطتنا حالا ومشاهدة
هامش
( 1 ) راجع صحبة الشيخ ومكانته عند الملوك والسلاطين .