له كل برهان عسى تدركونه * وليس له في عالم الفكر موضع
لقد وسع الحق المبين بصورة * إلى مجدها تعنو الوجوه وتخضع
ما مرّ عليّ في التجلي الإلهي أمر حيرني وأضعف قوتي أشد من قول الملائكة
رَبَّنا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْماً فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذابَ الْجَحِيمِ
واللّه يقول :
ما عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ
، وأي إحسان أعظم ممن تاب واتبع سبيله ، وقول نوح وهو من الكمل من أهل اللّه
وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِناً
فهذا كأنه أبقى شيئا ، فإنه ما طلب المغفرة إلا للمؤمن ولم يذكر اتباع سبيل اللّه ، لأن المؤمن قد يكون مخالف أمر اللّه ونهيه ، واللّه يقول للمسرفين على أنفسهم :
إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً
، فهذا الصنف من الملائكة قاموا في مقام الأدب ، فحكم عليهم بهذا القول إيثارا للجناب الإلهي على الخلق ، ولهذا قدموا وأخروا ، وما أخبر اللّه عنهم في قوله قبل هذا الدعاء
وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْماً
ففيه روائح طلب المغفرة للمسيئين ، وأخروا أيضا قولهم
وَقِهِمُ السَّيِّئاتِ
أن تقوم بهم فإنه أتم في العناية
وَمَنْ تَقِ السَّيِّئاتِ يَوْمَئِذٍ
أي يوم تقيه
فَقَدْ رَحِمْتَهُ
وهو قولهم
وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً
فجاء ما ذكروه في الوسط بين هذين كأنه إيثار للجناب الإلهي ، وقال عن صنف آخر من الملائكة إنهم
يَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ
فأنزل هؤلاء المغفرة موضعها ، ما قالوا مثل ما قال ذلك الصنف الآخر ، الذي حكى اللّه عنهم أنهم يستغفرون للذين آمنوا ، فتنوعت مشاربهم كما قالوا :
وَما مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ
. ( ديوان / 308 - ف ج 3 / 166 ) .
تحصيل الشيخ لمقام المحبوبية :
وهو كون الحق سمعه وبصره وجميع قواه :
أقول وعندي أنني لست قائلا * بنفسي ولكني أقول كما قالا
بأني ذو قول لما هو قائل * بنا ولساني عينه فيّ ما زالا
وما أنا ظرف كالمكان ولا أنا * محل له والميل ميلي إذا مالا
فلا تيأسي يا نفس مما نريده * فلا بد لي منه وإن طال ما طالا
تكشف عن عيني غطاء عمايتي * فأدركت ما خلف الحجاب وما شالا
وأصبحت في قوم هداة أئمة * وغادرت أقواما عن الحق ضلالا