طيب كل شيء :
النّفس الطيّب لا يكون إلا من الاسم الطيب ، وما ثمّ اسم أطيب للكون من الرحمن ، فإنه مبالغة في الرحمة العامة التي تعم الكون أجمعه ، فمن حصل له الطيب في كل شيء - وإن أدركه من أدركه خبيثا بالطبع - فإنه بالنعت الإلهي طيب ، وقد ذقنا ذلك بمكة ، فهو وارث على الحقيقة من قوله صلى اللّه عليه وسلم حببّ إليّ من دنياكم الطيب ، فقد كنت عند موسى بن محمد القباب بالمنارة بحرم مكة بباب حزورة ، وكان يؤذن بها ، وكان له طعام يتأذى برائحته كل من شمه ، وسمعت في الخبر النبوي أن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم ، ونهى أن تقرب المساجد برائحة الثوم والبصل والكراث ، فبت وأنا عازم أن أقول لذلك الرجل أن يزيل ذلك الطعام من المسجد لأجل الملائكة ، فرأيت الحق تعالى في النوم ، فقال لي عز وجل : لا تقل له عن الطعام ، فإن رائحته عندنا ما هي مثل ما هي عندكم ، فلما أصبح جاء على عادته إلينا ، فأخبرته بما جرى فبكى وسجد للّه شكرا ، ثم قال لي : يا سيدي ومع هذا فالأدب مع الشرع أولى ، فأزاله من المسجد رحمه اللّه ، وذلك مثل ما جاء في الحديث ، أن خلوف فم الصائم أطيب عند اللّه يوم القيامة من ريح المسك ، ولا أدري هل أعطى اللّه أحدا إدراك تساوي الروائح ، بحيث أن لا يكون عنده خبث رائحة أم لا ؟ هذا ما ذقناه من أنفسنا ، ولا نقل إلينا أن أحدا أدرك ذلك ، بل المنقول عن الكمل من الناس وعن الملائكة التأذي بهذه الروائح الخبيثة ، وما انفرد بإدراك ذلك طيبا إلا الحق ، هذا هو المنقول ، ولا أدري أيضا شأن الحيوان من غير الإنسان في ذلك ما هو ؟ لأني ما أقامني الحق في صورة حيوان غير إنسان ، كما أقامني في أوقات في صورة ملائكة .
( ف ح 3 / 505 - ج 1 / 603 ) .
فإن قيل : هل يتصور أن يكون في العالم مزاج لا يجد إلا الطيب من كل شيء ، لا يعرف الخبيث أم لا ؟ قلنا : هذا لا يكون ، فإنا ما وجدناه في الأصل الذي ظهر العالم عنه وهو الحق ، فوجدناه يكره ويحب ، وليس الخبيث إلا ما يكره ، ولا الطيب إلا ما يحبّ ، والعالم على صورة الحق ، والإنسان على الصورتين ، فلا يكون ثمّة مزاج لا يدرك إلا الأمر الواحد من كل شيء . ( فصوص الحكم / الفص المحمدي ) .