بما أسمعها ، إلى أن عادت إلى حالها كما كانت ، وأمنتني وأشارت إلى بالطواف ، فرميت بنفسي على المستجار ، وما فيّ مفصل إلا وهو يضطرب من قوة الحال إلى أن سرّي عني ، وصالحتها وأودعتها شهادة التوحيد عند تقبيل الحجر ، فخرجت الشهادة عند تلفظي بها - وأنا أنظر إليها بعيني - في صورة سلك ، وانفتح في الحجر الأسود مثل الطاق ، حتى نظرت إلى قعر طول الحجر ، فرأيته نحو ذراع ، فسألت عنه بعد ذلك من رآه من المجاورين ، حين احترق البيت فعمل بالفضة وأصلح شأنه ، فقال لي : رأيته كما ذكرت في طول الذراع ، ورأيت الشهادة قد صارت مثل الكبة واستقرت في قعر الحجر ، وانطبق الحجر عليها وانسد ذلك الطاق وأنا أنظر اليه ، فقال لي : هذه أمانة عندي أرفعها لك إلى يوم القيامة ، أشهد لك بها عند اللّه ، هذا قول الحجر لي وأنا أسمع ، فشكرت اللّه تعالى ، ثم شكرتها على ذلك ، ومن ذلك الوقت وقع الصلح بيني وبينها ، وخاطبتها بتلك الرسائل السبعة فزادت بي فرحا وابتهاجا ، حتى جاءتني منها بشرى على لسان رجل صالح من أهل الكشف ، ما عنده خبر بما كان بيني وبينها مما ذكرته ، فقال لي : رأيت البارحة فيما يرى النائم هذه الكعبة وهي تقول لي : يا عبد الواحد ، سبحان اللّه ما في هذا الحرم من يطوف بي إلا فلان - وسمتك لي باسمك - ما أدري أين مضى الناس ؟ ثم أقمت لي في النوم وأنت طائف بها وحدك ، لم أر معك في الطواف أحدا ، قال الرائي فقالت لي : انظر إليه هل ترى بي طائفا آخر ، لا واللّه ولا أراه أنا ، فشكرت اللّه على هذه البشرى من مثل ذلك الرجل ، وتذكرت قول رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في الرؤيا الصالحة يراها الرجل المسلم ، أو ترى له ، وأما الأبيات التي استنزلت بها الكعبة فهي هذه :
بالمستجار استجار قلبي * لما اتاه سهم الأعادي
يا رحمة اللّه للعباد * أودعك اللّه في الجماد
يا بيت ربي يا نور قلبي * يا قرة العين يا فؤادي
يا سر قلب الوجود حقا * يا حرمتي يا صفا ودادي
يا قبلة أقبلت إليها * من كل ربع وكل وادي
ومن بقاء فمن سماء * ومن فناء فمن مهاد
يا كعبة اللّه يا حياتي * يا منهج السعد يا رشادي