شوط رسالة مني إلى الصفة الإلهية التي تجلت لي في ذلك الشوط ، ولكن ما عملت تلك الرسائل ولا خاطبتها بها إلا لسبب حادث ، وذلك أني كنت أفضل عليها نشأتي ، وأجعل مكانتها في مجلى الحقائق دون مكانتي ، وأذكرها من حيث ما هي نشأة جمادية في أول درجة من المولدات ، وأعرض عما خصها اللّه به من علو الدرجات ، وذلك لأرقي همتها ، ولا تحجب بطواف الرسل والأكابر بذاتها وتقبيل حجرها ، فإني على بينة من ترقي العالم علوه وسفله مع الأنفاس ، لاستحالة ثبوت الأعيان على حالة واحدة ، فإن الأصل الذي يرجع إليه جميع الموجودات وهو اللّه ، وصف نفسه أنه كل يوم هو في شأن ، فمن المحال أن يبقى شيء في العالم على حالة واحدة زمانين ، فتختلف الأحوال عليه لاختلاف التجليات بالشؤون الإلهية ، وكان ذلك مني في حقها لغلبة حال غلب علي ، فلا شك أن الحق أراد أن ينبهني على ما أنا فيه من سكر الحال ، فأقامني من مضجعي في ليلة باردة مقمرة ، فيها رش مطر ، فتوضأت وخرجت إلى الطواف بانزعاج شديد ، وليس في الطواف أحد سوى شخص واحد فيما أظن ، فلما نزلت قبلت الحجر وشرعت في الطواف ، فلما كنت في مقابلة الميزاب من وراء الحجر . نظرت إلى الكعبة ، فرأيتها فيما تخيل لي قد شمرت أذيالها واستعدت مرتفعة عن قواعدها ، وفي نفسها إذا وصلت بالطواف إلى الركن الشامي أن تدفعني بنفسها ، وترمي بي عن الطواف بها ، وهي تتوعدني بكلام أسمعه بأذني ، فجزعت جزعا شديدا ، وأظهر اللّه لي منها حرجا وغيظا ، بحيث لم أقدر على أن أبرح من موضعي ذلك ، وتسترت بالحجر ليقع الضرب منها عليه ، جعلته كالمجن الحائل بيني وبينها ، وأسمعها واللّه وهي تقول لي : تقدم حتى ترى ما أصنع بك ، كم تضع من قدري وترفع من قدر بني آدم ، وتفضل العارفين عليّ ، وعزّة من له العزة لا تركتك تطوف بي ، فرجعت مع نفسي وعلمت أن اللّه يريد تأذيبي ، فشكرت اللّه على ذلك ، وزال جزعي الذي كنت أجده ، وهي واللّه فيما يخيل لي قد ارتفعت عن الأرض بقواعدها مشمرة الأذيال ، كما يتشمر الإنسان إذا أراد أن يثب من مكانه يجمع عليه ثيابه ، هكذا خيلت لي ، قد جمعت ستورها عليها لتثب علي ، وهي في صورة جارية لم أر صورة أحسن منها ، ولا يتخيل أحسن منها ، فارتجلت أبياتا في الحال أخاطبها بها ، وأستنزلها عن ذلك الحرج الذي عاينته منها ، فما زلت أثني عليها في تلك الأبيات ، وهي تتسع وتنزل بقواعدها على مكانها وتظهر السرور
الشيخ محيي الدين بن عربي ترجمة حياته من كلامه — صفحة 140
مساهمون: محمود محمود الغراب
ص١٤٠