وإني لأهوى النقص من أجل من أهوى * لأن به كان الكمال لمن يدري
وما جاء بالنقصان إلا مخافة * من العين مثل البدر في آخر الشهر
وما نقص البدر الذي تبصرونه * ولكنه بدر لمن غاص بالفكر
يراه تماما كاملا في ضيائه * على أكمل الحالات في البطن والظهر
فلو لم يكن في الكون نقص محقق * لكان الوجود الحق ينقص في القدر
فبي كان للحق الوجود كماله * مع النقص فانظر ما تضمنه شعري
غزال من الفردوس جاء منقّبا * من أجلي وما يخفى على اللّه ما يجري
فقلت له أهلا وسهلا ومرحبا * بمن وحياة الحب قد ضمه صدري
أهيم بها حبا على كل حالة * حياة وموتا في القيامة والحشر
لقد سفرت يوما فلاحت محاسن * تخبر عنها أنها ليلة القدر
سجدت لها حبا فلما رأيتها * علمت بأني ما تعلقت بالغير
فكبرت إجلالا لكوني هويتني * فسرّي الذي قد كان هيّمه جهري
وحققت أني عين من قد هويته * فلم أخش من بين ولم أخش من هجري
فبغداد داري لا أرى لي موطنا * سواها فإن عزّت جنحت إلى مصري
هذا المقام دخلته في شهر محرم سنة سبع وتسعين وخمسمائة ، وأنا مسافر بمنزل أبحيسل ببلاد المغرب ، فتهت به فرحا ، ولم أجد فيه أحدا ، فاستوحشت من الوحدة ، وتذكرت دخول أبي يزيد بالذلة والافتقار ، فلم يجد في ذلك المنزل من أحد ، وذلك المنزل هو موطني ، فلم أستوحش فيه ؟ لأن الحنين إلى الأوطان ذاتي لكل موجود ، وإن الوحشة مع الغربة ، ولما دخلت هذا المقام وانفردت به ، وعلمت أنه إن ظهر علي فيه أحد أنكرني ، فبقيت أتتبع زواياه ومخادعه ، ولا أدري ما اسمه ؟ مع تحققي به وما خص اللّه به من آتاه إياه ، ورأيت أوامر الحق تترى عليّ ، وسفراءه تنزل إلي ، تبتغي مؤانستي وتطلب مجالستي ، فرحلت وأنا على تلك الحال من الاستيحاش بالانفراد - والأنس إنما يقع بالجنس - فلقيت رجلا من الرجال بمنزل يسمى آنحال ، فصليت العصر في جامعه ، فجاء الأمير أبو يحيى بن واجتن - وكان صديقي - وفرح بي ، وسألني أن أنزل عنده ، فأبيت ونزلت عند كاتبه ، وكانت بيني وبينه مؤانسة ، فشكوت إليه ما أنا فيه من انفرادي بمقام أنا مسرور به ، فبينا