الطرف ؟ وهل القرآن - المهيمن على جميع الكتب - فيه مثل هذه العلوم أم هو خال منها ؟ وهل كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم الذي علم علم الأولين والآخرين يعلم مثل هذا العلم أم يجهله ؟ فإن كان يعلمه فما هو هذا العلم ؟ وهل كتمه صلى اللّه عليه وسلم عن الأمة أم اختص به من هو أهل له ؟ وهل علماء بني إسرائيل تعلم من أسرار التوراة ما تعلم ، وتجهل علماء الأمة المحمدية من أسرار القرآن مثل هذه العلوم ؟ فلو أنصف من لا علم له والجاحد لسلم الأمر إلى أهله ، وأقر بعجزه ، فإن اللّه يختص برحمته من يشاء ، وما أحسن ما ذكره الشيخ رضي اللّه عنه في ذلك حيث يقول : تكلم معي بحرم مكة ، رجل يقال له القاضي عبد الوهاب الأزدي من أهل الإسكندرية ، فقيه قد استحوذ عليه الشيطان ، بحيث صيره يعتقد أن الزمان فارغ من جميع المراتب في كل فن ، وإنما هي تلفيقات وخرافات ، فسألته : كم من بلد في معمورة الأرض للمسلمين ؟ فقال : كثير ، فقلت له : كم دخلت منها ؟ فذكر ستة بلاد أو سبعة ، قلت له : كم الخلق فيها ؟ قال : كثير ، فقلت له : من أكثر ، الذي رأيت أم الذي لم تره ؟ قال : الذي لم أره ، فضحكت وقلت له : حد المعتوه الأحمق الذي يرى الكثير ويبقى له القليل ، فيقيس القليل على الكثير ، ويحمله عليه في الحكم ، وأما المؤمن الناصح نفسه فإنه يقول : ولعل في ذلك القليل ولو كان واحدا لم أره لعله ذلك السعيد ، كيف ومن يقول ما رأيت إلا القليل ، من البلاد ومن الناس ، ثم يعتقد ذلك ، فلا خفاء بجهله ، ا ه ، وأما العاقل المعتنى به فيقول الشيخ رضي اللّه عنه فيه ، دخل أبو القاسم بن عفير - خطيب إشبيلية - على أبي عمران المارتلي ، فتكلم معه فيما يأتي به أهل هذه الطريقة من المعارف ، التي تقصر أفهام علماء الرسوم عنها ، لأنها علوم نبوية ، وهذه العلوم الخبرية لا يقوم دليل العقل عليها ، فلم يبق إلا مجرد الإيمان بها ، لأنها علوم إخبارية تحتمل الصدق والكذب ، وكذلك إذا أتى بها الرسول يتلقاها الفقهاء بالقبول ، فلو أحالها العقل لردت أبدا في كل حال ، فقال أبو القاسم الفقيه لشيخنا : أما أنا فأنكرها ، فقال له الشيخ أبو عمران : أما أنا فأومن بها كلها ، وإياك يا أبا القاسم أن يجمع اللّه علينا فيها حرمانين ، لا نراها
الشيخ محيي الدين بن عربي ترجمة حياته من كلامه — صفحة 13
مساهمون: محمود محمود الغراب
ص١٣