تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الشيخ محيي الدين بن عربي ترجمة حياته من كلامه — صفحة 127

مساهمون:

ص١٢٧
عبادا يعرفون الخضر ولا يعرفهم الخضر ، واعلم أن للّه عبادا أخفياء أبرياء أصفياء أولياء ، بينهم وبين الناس حجب العوائد ، غامضين في الناس ، لا يظهر عليهم ما يميزهم عن الناس ، وبهم يحفظ اللّه العالم وينصر عباده ، معروفون في السماء ، مجهولون في الأرض عند أبناء الجنس ، لهم المهناة في الدنيا والآخرة ، ليسوا بأنبياء ولا شهداء ، يغبطهم النبيون والشهداء ، لا في الدنيا يعرفون ولا في الآخرة يشفعون ، انفردوا بالحق في سرائرهم ، وما كنت عرفت أن اللّه قد جعل في الوجود وليا له على كل قدم نبي ، فإن اللّه تعالى لما جمع بيني وبين أنبيائه كلهم ، حتى ما بقي منهم نبي إلا رأيته في مجلس واحد ، لم أر معهم أحدا ممن هو على قدمهم ، ثم بعد ذلك رأيت جميع المؤمنين ، وفيهم الذين هم على أقدام الأنبياء وغيرهم من الأولياء ، فلما لم يجمعهم مجلس واحد لذلك لم أعرفهم ، ثم عرفتهم بعد ذلك ونفعني اللّه برؤيتهم ، وكان شيخنا أبو العباس العريبي على قدم عيسى عليه السلام ، وكنا نقول قبل هذا : إن ثمّ أولياء على قلوب الأنبياء ، فقيل لنا : لا بل قل هم على أقدام الأنبياء لا تقل على قلوبهم ، فعلمت ما أراد بذلك لما أطلعني اللّه على ذلك ، رأيتهم على آثارهم يقفون ، ورأيت لهم معراجين ، المعراج الواحد يكونون فيه على قلوب الأنبياء ، ولكن من حيث هم الأنبياء أولياء ، النبوة التي لا شرع فيها ، والمعراج الثاني يكونون فيه على أقدام الأنبياء أصحاب الشرائع لا على قلوبهم ، إذ لو كانوا على قلوبهم لنالوا ما نالته الأنبياء من الأحكام المشروعة ، وليس ذلك لهم وإن وقع لهم التعريف الإلهي بذلك ، ويأخذون الشرع - من حيث أخذته الأنبياء ، ولكن من مشكاة أنوار الأنبياء - يقترن معه حكم الاتباع ، فما يخلص لهم ذلك من اللّه ولا من الروح القدسي ، وهذا كله لتتميز المراتب عند اللّه ، لنعرف ذلك فنعطي كل ذي حق حقه ، كما أعطى اللّه كل شيء خلقه ، وهذا كله من رحمة اللّه أفاضها على خلقه ، فرأيت جميع الرسل والأنبياء كلهم مشاهدة عين ، وكلمت منهم هودا أخا عاد دون الجماعة ، ورأيت المؤمنين كلهم مشاهدة عين أيضا ، من كان منهم ومن يكون إلى يوم القيامة ، أظهرهم الحق لي في صعيد واحد في زمانين مختلفين ، وصاحبت من الرسل وانتفعت به سوى محمد صلى اللّه عليه وسلم جماعة ، منهم إبراهيم الخليل قرأت عليه القرآن ، وعيسى تبت على يديه ، وموسى أعطاني علم الكشف والإيضاح ، وعلم تقليب الليل والنهار ، فلما حصل عندي زال الليل وبقي النهار في اليوم كله ، فلم تغرب لي شمس