تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الشيخ محيي الدين بن عربي ترجمة حياته من كلامه — صفحة 117

مساهمون:

ص١١٧
والكلمات المنسوبة إلى اللّه بحكم الكلام ، فإنه قرآن لغة ، وله أثر في النزول في المحل المنزل عليه إذا كان في استعداده التأثر بنزوله ، فإن لم يكن فلا يشترط ، والاستعداد من المحل أن يكون حاله العبودة والعبودية ، وأثره في حال العبودية أتم منه في حال العبودة ، فإن سمع المحل أو نزل عليه في حال كون الحق سمعه ، حصل له النزول ولم يظهر له أثر عليه ، لأنه حق في تلك الحالة ، فينتفي عنه الخشوع ، وهذا أصل يطرد في كل وصف لا يكون له في الألوهة مدخل ، كالذلة والافتقار والخشوع والخوف والخشية ، فإنه يتأثر صاحب هذا الحال ، وكل كون يكون حالة نعت إلهي كالكرم والجود والرحمة والكبرياء فإنه لا يؤثر في صاحبه أصلا ، فإنه نعت حق ، فله العزة والمنعة ، هذا مطرد ، وقد نزل علينا من القرآن ذوقا ، عرفنا من ذلك صورة نزوله على نبيه صلى اللّه عليه وسلم فوجدنا له ما لم نجد لحفظ حروفه ولا لتدبر معانيه ، ونزل علينا في الحالين ، فأثر في الحال الواحد الكوني ، ولم يؤثر في الحال الإلهي إلا لذة خاصة من فرح وابتهاج وسرور ، ولم نجد خشوعا ولا ذلة ، فهو سرور بكمال ، فإنه لا بد من هذه اللذة ، ولهذا ينسب إلى الجناب الإلهي الأقدس ما ينسب من الفرح وهو التذاذ ، فمن استظهر القرآن فقد أدرجت النبوة بين جنبيه ، كذا قال صلى اللّه عليه وسلم ، وهو تنزيله عليه ذوقا ، وهذا الفرق بين تنزله على النبي صلى اللّه عليه وسلم : وبين تنزله علينا ، فإنه منزل في النبي صلى اللّه عليه وسلم على قلبه وفي صدره ، فنبوته له مشهودة ، وينزل علينا بين جنبينا من وراء حجابنا ، فهو لنا في الظهر لا في الظهور ، فنبوتنا مستورة عنا مع كوننا محلا لها ، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في الذي أوتي القرآن ، إن النبوة أدرجت بين جنبيه ، وهذا الفرق بين الأنبياء والأولياء الأتباع ، فإنه وإن كان للأولياء من النبوة شرب فمن بعض مقاماتها لا كلها ، كالرؤيا جزء من أجزاء النبوة وغيرها ، وأما النبوة بالجملة فلا تكون إلا لنبي ، وأما الولي فلا ، إلا أن يكون له من ظهره تمده وتقويه وتؤيده هكذا أخذتها مشاهدة من نفسي ، وأخبرت أن كل ولي كذا يأخذها من المكملين في الولاية ، ويترجم عنها ولكن من حجاب الظهر ، ويكون للنبي من الفوق أو من الأمام ، تنزل على قلبه ويخاطب بها في سمعه ، فالولي يجد أثرها ذوقا ، وهو فيها كالأعمى الذي يحس بجانبه شخصا ولا يعرف من هو ذلك الشخص ، فالنبي ذو عين مفتوحة لمشاهدة النبوة ، والولي ذو عين مفتوحة لمشاهدة الولاية ، ذو عين عمياء لمشاهدة النبوة فإنها من خلفه ، فهو فيها كحافظ القرآن ، لأن من حفظ القرآن فقد أدرجت النبوة