مع طول هذه المسافة ، فقلت له : ومن أنشدك إياها حتى حفظتها ؟ فقال لي : كنت جالسا في ليلة بشرق إشبيلية في مجلس جماعة على الطريق ، ومر بنا رجل غريب لا نعرفه ، كأنه من السياح ، فجلس إلينا فتحدث معنا ، ثم أنشدنا هذه الأبيات فاستحسناها وكتبناها ، فقلنا له : لمن هذه الأبيات ؟ فقال : لفلان ، وسماني لهم ، فقلنا له : فهذه مقصورة ابن مثنى ما نعرفها ببلادنا ؟ فقال : هي بشرقي جامع تونس ، وهنالك عملها في هذه الساعة وحفظتها منه ، ثم غاب عنا فلم ندر ما أمره ، ولا كيف ذهب عنا وما رأيناه ، وأما الأبيات التي أنشدنيها لي فهي هذه :
مقصورة ابن مثنى * أمسيت فيها معنّى
بشادن تونسي * حلو اللمى يتمنى
خلعت فيه عذاري * فأصبح الجسم مضنى
سألته الوصل لمّا * رأيته يتجنّى
وهز عطفيه عجبا * كالغصن إذ يتثنّى
وقال أنت غريب * إليك يا هذا عنا
فذبت شوقا ويأسا * ومت وجدا وحزنا
ولقد كنت بجامع العديس بإشبيلية يوما بعد صلاة العصر ، وشخص يذكر لي عن رجل كبير من أهل الطريق من أكابرهم ، اجتمع به في خراسان فذكر لي فضله ، وإذا بشخص أنظر إليه قريبا منا والجماعة معي لا تراه ، فقال لي : أنا هو هذا الشخص الذي يصفه لك هذا الرجل الذي اجتمع بنا في خراسان ، فقلت للرجل المخبر : إن هذا الرجل الذي رأيته بخراسان ، أتعرف صفته ؟ فقال : نعم ، فأخذت أنعته له بآثار كانت فيه وحلية في خلقه ، فقال الرجل : هو واللّه على صورة ما وصفت ، هل رأيته ؟ فقلت له :
هو ذا جالس يصدقك عندي فيما تخبر به عنه ، وما وصفته لك إلا وأنا أنظر إليه ، وهو عرفني بنفسه ، ولم يزل معي جالسا حتى انصرفت ، فطلبته فلم أجده .
( ف ج 3 / 338 ) .
ذوق الشيخ لنزول القرآن عليه :
كل كلام إلهي من كلمة مركبة من حرفين إلى ما فوق ذلك من تركيبات الحروف ،