دخلت المحراب أرجع بذاتي كلها عينا واحدا ، فأرى من جميع جهاتي كما أرى قبلتي ، لا يخفى عليّ الداخل ولا الخارج ولا واحد من الجماعة ، حتى إنه ربما يسهو من أدرك معي ركعة من الصلاة ، فإذا سلمت ورددت وجهي إلى الجماعة أدعو ، أرى ذلك الرجل يجبر ما فاته فيخل بركعة ، فأقول له : فاتك كذا وكذا ، فيتم صلاته ويتذكر ، فلا يعرف الأشياء ولا هذه الأحوال إلا من ذاقها ، ومن كانت هذه حاله فحيث كانت القبلة فهو مواجهها ، هكذا ذقته بنفسي . ( ف ج 2 / 486 ) .
أخذ الحق بعض من افترى على الشيخ :
وفي معرفة سرعة الأخذ الإلهي ما سببها ؟ فإنه لما أطلعني اللّه تعالى على إنزال هذه الآية : بالإنزال الذي يرد على أمثالنا ممن ليس بنبي ، فإن القرآن وكل كلام ينزل على التالين والمتكلمين في حال تلاوتهم وكلامهم ، ولولا ذلك ما تلوا ولا تكلموا ، وهنا لطائف إلهية لمن نظر ، فقيل لي : اقرأ ، قلت : وما أقرأ ؟ قيل لي : اقرأ
وَكَذلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذا أَخَذَ الْقُرى وَهِيَ ظالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ
فقرأت هذه الآية على ما كنت أحفظها فقيل لي لما وصلت إلى قوله تعالى :
إِنَّ أَخْذَهُ
قيل لي : قل : « بك » فقلت : ما هو في القرآن ولا نزل كذا ؟ فقيل لي : لا تقل هكذا بل هكذا هو وكذا نزل ، قل : « بك » وشدد عليّ ، فقرأت إن أخذه بك أليم شديد فطلبت معنى ذلك ، فأقيم لي شخص كنت أعرفه ، وكان قد افترى علي ، فقيل لي : هذا مأخوذ بك أي بسببك ، فاقرأ : إن أخذه بك أليم شديد وهو ممدود بين يدي ، فلما فرغ ذلك التنزيل استدعيت بالشخص وقلت له : ما رأيت ، فتأفف عليّ وأظهر التوبة ، وخرج عني وهو على حاله من الفرية ، فلم يكمل الشهر حتى قتله اللّه بحجر شدخ رأسه ، وما أخذ القاتل من ثيابه ولا فرسه ولا ماله شيئا ، فشاع الخبر وانتهى إلى السلطان ، وقرروا عند السلطان أني كنت سبب قتله ، فما التفت السلطان ، فلما كان بعد ثلاث سنين جاء القاتل واعترف بين يدي السلطان بقتله ، فسأله : ما سبب ذلك ؟ فقال : ما له سبب ولا فعل معي قبيحا ، إلا أني مررت عليه وهو نائم في خربة ولجام فرسه في يديه ، فزين لي قتله ، فعمدت إلى حجر كبير فاقتلعته ، ووازنت رأسه ورميت عليه الحجر فما تحرك ، ولا أخذت له شيئا وما طمعت في شيء من ذلك ولا اكترثت ، فقتله السلطان به ، وبعث إلي الخبر بذلك ، وهذا من أعجب التنزلات