تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الشيخ محيي الدين بن عربي ترجمة حياته من كلامه — صفحة 108

مساهمون:

ص١٠٨
آخر ، فدخلت البيت الرابع ، وإذا فيه ثلاث خزائن ، على الخزانة الأولى سبعة أقفال ، وعلى الخزانة الثانية خمسة أقفال ، وعلى الثالثة خمسة أقفال ، ثم أخذ بيدي فخرجنا منها ، فدخلت البيت الخامس ، فرأيت فيه ثلاث خزائن ، على الخزانة الأولى سبعة أقفال ، وعلى الخزانة الثانية ثلاثة أقفال ، وعلى الخزانة الثالثة خمسة أقفال ، ثم أخذ بيدي وخرجنا نطلب البيت الأول ، لنفتح تلك الأقفال فنبصر ما تحوي عليه تلك الخزائن مع الودائع ، فدخلت البيت الأول إلى الخزانة الأولى ، فرأيت معلقا على كل قفل مفتاحه ، وبعض الأقفال عليه مفتاحان وثلاثة ، فرأيت على القفل الأول ثلاثة مفاتيح ، تحوي تلك المفاتيح على أربعمائة حركة ، فمددت يدي وفتحت ذلك القفل ، ثم رأيت على القفل الثالث كذلك ثلاثة مفاتيح ، تحوي على أربعمائة حركة ، ففتحت الثالث ورجعت إلى الثاني وعليه مفتاحان ، وهو قفل مطبق ، فهما قفلان في قفل واحد ، يحوي على أربع حركات في حركتين ، فلما فتحت الأقفال : وأطلعت في الخزائن ، بدا لي من صور العلوم على قدر حركات مفاتيح تلك الخزانة ، لا تزيد ولا تنقص ، فرأيت علوما مهلكة ، ما اشتغل بها أحد إلا هلك ، من علوم العقل المخصوصة بأرباب الأفكار من الحكماء والمتكلمين ، فرأيت منها ما يؤدي صاحبها إلى الهلاك الدائم ، ورأيت منها ما يؤدي صاحبه إلى هلاك ثم ينجو ، غير أنه ليس لنور الشرع فيها أثر البتة ، قد حرمت صاحبها السعادة ، فيها من علوم البراهمة كثير ، ومن علوم السحر وغير ذلك ، فحصلت جميع ما فيها من العلوم لنجتنبها ، وهي أسرار لا يمكن إظهارها ، وتسمى علوم السر ، وكان ممن اختص بها من الصحابة رضي الله عنهم حذيفة بن اليمان ، خصه بها رسول الله صلى اللّه عليه وسلم فلذلك كان بين الصحابة يقال له صاحب علم السر ، وبه كان يعرف أهل النفاق ، حتى إن عمر بن الخطاب رضي الله عنه استحلفه يوما بالله : هل فيّ من ذلك شيء ؟ قال : لا ؛ ولا أقوله لأحد بعدك ، وكان عمر بن الخطاب لا يصلي على جنازة بحضور حذيفة ، حتى يرى حذيفة يقول بالصلاة عليها ، فإن صلى حذيفة صلى عمر ، وإلا فلا ، فمن علمها ليحذرها فقد سعد ، ومن علمها يعتقدها ويعمل عليها فقد شقي ، فلما حصلتها وأحطت بها علما ، ونزهت نفسي بما عصمني الله به من العناية الإلهية عن العمل بها والاتصاف بأثرها ، شكرت الله على ذلك ، وفي هذه المقامات هلك كثير من سالكي هذه الطريقة ، لأنهم يرون علوما تتعشق بها النفوس ، ويكونون بها أربابا ويكونون