تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الخيال عالم البرزخ والمثال من كلام الشيخ الأكبر — صفحة 59

مساهمون:

ص٥٩
سبحان واضع الحكم وناصب الآيات ، ومظهر جمال الدلالات ، ومن أجملها عينا ، وأكملها كونا ، عالم الخيال ، وبه ضرب اللّه الأمثال ، ألا ترى الرؤيا وبعينها يدرك الخيال ، يرى ما يكون قبل كونه وما كان ، وما هو الوقت عليه ، وأي حضرة تجد فيها هذه الجمعية إلا حضرة الخيال ، وكل من تعشق بأمر ما ، فما تعشق به إلا بعد أن حصله في خياله ، وجعل له في وهمه مثالا ، وطبق محبوبه على مثاله ، ولو لم يكن الأمر كذلك ، لكان إذا فارقه من تعلق بصره به أو سمعه أو شيء من حواسه ، فارق التعلق به ، ونحن لا نجد الأمر كذلك ، فدل على أن المحبوب عند المحب ، على مثال صوره وأنشأه في خياله ، فلزم مشاهدته ، فتضاعف وجده وتزايد حبه ، وصار ذلك المثال الذي صوره ، يحرض مصوره على طلب من صوّره على صورته ، فإن ذلك الأصل هو روح هذا الخيال ، وبه بقاؤه ، وهو الذي يحفظه ، وما اشتد حب المحب إلا في صنعته وفعله ، فإن الصورة التي تعشق بها في خياله هي من صنعته . ( ف ح 3 / 450 ) ومن أحوال المحبين ، طائفة نظرت إلى المثال الذي في خيالها ، من الموجود الذي يظهر محبوبه فيه ، ويعاين وجود محبوبه ، وهو الاتصال به في خياله ، فيشاهده متصلا به اتصال لطف ، ألطف منه في عينه في الوجود الخارج ، وهو الذي اشتغل به قيس المجنون عن ليلى ، حين جاءته من خارج ، فقال لها « إليك عني » لئلا تحجبه كثافة المحسوس منها ، عن لطف هذه المشاهدة الخيالية ، فإنها في خياله ألطف منها في عينها وأجمل ، وهذا ألطف المحبة ، وصاحب هذا النعت لا يزال منعّما لا يشكو الفراق ، ولنا في هذا النعت اليد الطولى بين المحبين ، فإن مثل هذا في المحبين عزيز الوجود ، لغلبة الكثافة عليهم ، وسبب ذلك عندنا ، أنه من استفرغ في حب المعاني المجردة عن المواد ، فغايته إذا كثفها أن ينزلها إلى الخيال ، ولا ينزل بها أكثر ، فمن كان أكثف حاله الخيال ، فما ظنك بلطافته في المعاني ؟ ! وهذا الذي حاله هذا ، هو الذي يمكن أن يحب اللّه ، فإن غايته في حبه إذا لم يجرده عن التشبيه ، أن ينزله إلى الخيال ، وهو قوله عليه السلام « اعبد اللّه كأنك تراه » فإذا أحببنا ونحن بهذه الصفة موجودا ، نحب ظهور محبوبنا فيه من المحسوسات عالم الكثائف ، نلطفه بأن نرفعه إلى الخيال ، لنكسوه حسنا فوق حسنه ، ونجعله في حضرة لا يمكنه الهجر معها ولا الانتقال عنها ، فلا يزال في اتصال دائم ، ولنا في ذلك :
الخيال عالم البرزخ والمثال من كلام الشيخ الأكبر — صفحة 59 | محمود محمود الغراب