العقلي ، كإدخال الجمل في سمّ الخياط ، مع بقاء هذا على صغره وهذا على كبره ، وهذا المقام وراء طور العقل ، من حيث ما يستقل بإدراكه من كونه مفكرا ، لا من كونه قابلا .
تمكن الشيطان من حضرة الخيال :
إن اللّه تعالى قد مكن الشيطان من حضرة الخيال ، وجعل له سلطانا فيها ، فيخيل الشيطان للإنسان أو النفس ، إذ حضرة الخيال تنشىء كل صورة ، فللشيطان في كل كشف يطلعك الحق عليه أمر من عالم الخيال ، ينصبه لك مشابها لحالك الذي أنت به في وقتك ، فإن لم يكن لك علم قوي بما تميز به بين الحق وبين ما يخيله لك ، وإلا التبس عليك الأمر ، كما خيلت السحرة للعامة أن الحبال والعصي حيات ، فلا يفرق بين الخيال والحقيقة ، أو بين ما هو من عند اللّه وبين ما ليس من عند اللّه ، ومن أجل ذلك أمرنا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بالتعوذ في كل صلاة من فتنة المحيا والممات ، فإن فتنة المحيا قد تكون هي فتنة المسيح الدجال ، لما يظهره من دعواه الألوهية ، وما يخيله من الأمور الخارقة للعادة ، من إحياء الموتى وغير ذلك ، مما ثبتت الروايات بنقله ، وجعل ذلك آيات له على صدق دعواه ، وهي مسألة في غاية الإشكال ، لأنها تقدح فيما قرره أهل الكلام في العلم بالنبوات ، فيبطل بهذه الفتنة كل دليل قرروه ، وأي فتنة أعظم من فتنة تقدح في الدليل الذي أوجب السعادة للعباد ، وأما فتنة الممات فمنها ما يكون في حال النزع والسياق ، من رؤية الشياطين الذين يتصورون للمحتضر ، على صورة ما سلف من آبائه وأقربائه وإخوانه ، فيقولون له : مت نصرانيا أو يهوديا أو مجوسيا أو معطّلا ، ليحولوا بينه وبين الإسلام ، ولذلك شرع التلقين عند الموت إذا احتضر ، فإن الهول شديد والمقام عظيم ، وهو وقت الفتنة التي قد تكون هي فتنة المحيا من بعض الوجوه ، بما يكشفه المحتضر عند كشف الغطاء عن بصره ، فيعاين ما لا يعاينه الحاضر ، ويتمثل له من سلف من معارفه على الصور التي يعرفهم فيها ، وهم الشياطين تتمثل للمحتضر على صورهم بأحسن زي وأحسن صورة ، يعرفونه أنهم ما وصلوا إلى ما هم فيه من الحسن ، إلا بكونهم ماتوا مشركين باللّه ، فينبغي للحاضرين عنده في ذلك الوقت من المؤمنين ، أن يلقنوه شهادة التوحيد ، ويعرفوه بصورة هذه الفتنة لينتبه بذلك ، فيموت