المرأة وهي حامل على شيء ، خرج الولد يشبه ذلك الشيء ، فإن الشهوة إرادة طبيعية مقيدة عن تخيل صوري ، وإذا نظرت المرأة عند الجماع ، أو تخيل الرجل ، صورة عند الوقاع وإنزال الماء ، يكون الولد على خلق صورة ما تخيل ، ولذلك كانت الحكماء تأمر بتصوير صور الفضلاء من أكابر الحكماء في الأماكن ، بحيث تنظر إلى تلك الصورة المرأة عند الجماع والرجل ، فتنطبع في الخيال فتؤثر في الطبيعة ، فتخرج تلك القوة التي كانت عليها تلك الصورة ، في الولد الذي يكون من ذلك الماء ، وهو سر عجيب في علم الطبيعة ، كما قالت الحكماء إذا أراد الإنسان أن ينجب ولده ، فليقم في نفسه عند اجتماعه مع امرأته ، صورة من شاء من أكابر العلماء ، وإن أراد أن يحكم أمر ذلك ، فليصورها في صورتها التي نقلت إليه أو رآها عليها المصور ، ويذكر لامرأته حسن ما كانت عليه تلك الصورة ، وإذا صورها المصور فليصورها على صورة حسن علمه وأخلاقه ، وإن كانت الصورة المحسوسة قبيحة المنظر ، فلا يصورها إلا حسنة المنظر ، بقدر حسن علمه وأخلاقه . كأنه يجسد تلك المعاني ، ويحضر تلك الصورة لامرأته ولعينه عند الجماع ، ويستفرغان في النظر إلى حسنها ، فإن وقع للمرأة حمل من ذلك الجماع ، أثر في ذلك الحمل ما تخيلا من تلك الصورة في النفس ، فيخرج المولود بتلك المنزلة ولا بد ، حتى إن لم يخرج كذلك ، فلأمر طرأ في نفس الوالدين عند نزول النطفة في الرحم ، أخرجهما ذلك الأمر عن مشاهدة تلك الصورة في الخيال من حيث لا يشعران ، وتعبر عنه العامة بتوحم المرأة ، وقد يقع بالاتفاق عند الوقاع في نفس أحد الزوجين أو الزوجين ، صورة كلب أو أسد أو حيوان ما ، فيخرج الولد من ذلك الوقاع في أخلاقه ، على صورة ما وقع للوالدين من تخيل ذلك الحيوان ، وإن اختلفا فيظهر في الولد صورة ما تخيله الوالد وصورة ما تخيلته الأم ، حتى في الحسن الظاهر في الصورة أو في القبح ، وهم مع معرفتهم بهذا السلطان لا يرفعون به رأسا ، وانظر ما أثر سلطان الخيال في زكريا في ابنه يحيى عليهما السلام ، حين استفرغت قوة زكريا في حسن حال مريم عليها السلام ، وانظر في تكوين عيسى عليه السلام عن مشاهدة مريم جبريل في صورة بشر ، كيف جمع بين كونه روحا يحيي الموتى وبين كونه بشرا ، إذ كان الروح به تحيا الأجسام الطبيعية .
( ف ح 3 / 507 ، 508 ، 509 - ح 2 / 192 ، 377 - ح 3 / 507 )
الخيال عالم البرزخ والمثال من كلام الشيخ الأكبر — صفحة 48
مساهمون: محمود محمود الغراب
ص٤٨