تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الخيال عالم البرزخ والمثال من كلام الشيخ الأكبر — صفحة 53

مساهمون:

ص٥٣
أعين الناظرين حياة الجمادات وحركتها ، وهي في نفسها ليست بتلك الحياة التي تدركها الأبصار ، كحبال سحرة موسى عليه السلام وعصيهم ، يخيل إلى موسى
مِنْ سِحْرِهِمْ
الذي سحروا به أعين الناس وعلمهم بما فعلوه ، والسحر مأخوذ من السحر ، وهو اختلاط الضوء والظلمة ، فالسحر له وجه إلى الظلمة . وليس ظلاما خالصا ، وله وجه إلى الضوء وليس ضوءا خالصا ، كذلك السحر له وجه إلى الحق ، وهو ما ظهر إلى بصر الناظر أنه حق ، وله وجه إلى الباطل ، لأنه ليس الأمر في نفسه على ما أدركه البصر ، فلهذا سمته العرب سحرا ، وسمي العامل به ساحرا لا العالم به
أَنَّها تَسْعى
وليست بساعية في نفس الأمر ، أقاموا ذلك في حضرة الخيال المنفصل ، أمام الجميع ، فرأوا العصي والحبال في صور الحيات ، وكذلك أدركها موسى مخيلة ، ولا يعرف أنها مخيلة ، بل ظن أنها مثل عصاه في الحكم ، فهي ساعية في نظر موسى ونظر الحاضرين ، إلا السحرة فإنهم يرونها حبالا ، والغريب لو ورد لرآها كما يراها السحرة ، فكان فعل السحرة عن حكم أسماء كانت عندهم ، لها في عيون الناظرين خاصية النظر إلى ما يريد الساحر إظهاره ، فله بتلك الأسماء قلب النظر ، لا قلب المنظور فيه ، وهذا بخلاف عصا موسى عليه السلام حين ألقاها عن الأمر الإلهي ، فانقلب المنظور فيه فتبعه النظر ، فتلك حبال نشأت بين الخيال وبين أعين الناظرين أنها تسعى ، وهي أجسام في عينها ، لا حكم لها في السعي ، فظهرت في عين موسى بصورة الجسم الذي له سعي ، والأمر في نفسه ليس كذلك ، وامتلأ الوادي من حبالهم وعصيهم ، ورآها موسى فيما خيل له حيات تسعى ، فلهذا خاف موسى عليه السلام
فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسى
لم يكن نسبة الخوف إلى موسى عليه السلام في هذا الوقت نسبة الخوف الأول ، فإن الخوف الأول لما ألقى موسى عصاه فكانت حية تسعى ، خاف منها على نفسه على مجرى العادة ، فولى مدبرا ولم يعقب ، حتى أخبره اللّه تعالى ، وكان خوفه الثاني الذي ظهر منه للسحرة ، عندما ألقت السحرة الحبال والعصي ، فصارت حيات في أبصار الحاضرين ، كان هذا الخوف الآخر على الحاضرين من الأمة ، لئلا تظهر عليه السحرة بالحجة ، فيلتبس الأمر على الناس ، فلا يفرقون بين الخيال والحقيقة ، أو ما بين ما هو من عند اللّه وبين ما ليس من عند اللّه ، فاختلف تعلق الخوفين ، فإنه عليه السلام على بينة من ربه ، قوي الجأش بما تقدم له في الإلقاء الأول
خُذْها وَلا تَخَفْ سَنُعِيدُها سِيرَتَهَا الْأُولى
أي ترجع عصا كما كانت في