تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الخيال عالم البرزخ والمثال من كلام الشيخ الأكبر — صفحة 45

مساهمون:

ص٤٥
في الواجب الوجود والمحال ، وكل هذا عندها قابل بالذات إمكان التصور ، وهذه القوة وإن كان لها هذا الحكم فيمن خلقها ، فهي مخلوقة ، وهذا الحكم لها وصف ذاتي نفسي ، لا يكون لها وجود عين فيمن خلقت فيه ، إلا ولها هذا الحكم ، فإنه عين نفسها ، وما حازها إلا هذا النشء الإنساني ، وبها يرتب الإنسان الأعيان الثبوتية في حال عدمها كأنها موجودة ، وكذلك هي ، لأن لها وجودا متخيلا في الخيال . ( ف ح 4 / 322 ، 211 ) وقد علمنا أن الحق ميز الحضرات الثلاث للنفس الناطقة وولاها عليها : حضرة المحسوسات ، وحضرة المعاني المجردة في نفسها عن المواد - وإن لم يظهر بعضها إلا في بعض المواد - وحضرة الخيال الذي هو حضرة متوسطة بين طرفي الحس والمعنى ، وهو خزانة الجبايات التي تجبيها الحواس ، فالخيال خزانة المحسوسات ، فإن الحس يرفع إليه جميع ما يدركه ، فيحفظها الخيال بالقوة الحافظة ، بعد ما تصورها القوة المصورة ، وجعل القوة الخيالية في مقدم الدماغ الإنساني ، وجعلها فقيرة إلى الحواس ، فلا تتخيل أصلا إلا ما تعطيه هذه القوى ، ولما كان الخيال من عالم الطبيعة ، فإنه إذا جسد ما ليس بجسد ، كان ذلك من فعل الطبيعة ، ولذلك كان للسكر أثر قوي في القوة المتخيلة ، فإن له أثرا في تخيل السكران وخياله . ( ف ح 3 / 364 - ح 1 / 120 - ح 3 / 38 - ح 1 / 366 ، 289 - ح 2 / 192 ، 544 ) ثم اعلم أن اللّه تعالى جعل للروح الإنساني في الجسم الذي جعله اللّه له ملكا واستوى عليه ، جعل فيه هذه القوى والآلات الحسية والمعنوية ، وقيل له : خذ العلوم منها وصرفها على حد كذا وكذا ، وجعلت له هذه الآلات على مراتب ، فالقوى المعنوية كلها قوى كاملة ، إلا قوة الخيال فإنها خلقت ضعيفة ، والقوة الحساسة ، وجعلت هاتان القوتان تابعتين للجسم ، فكلما نما الجسم وكبر وزادت كميته ، كلما تقوى حسه وخياله ، إذ كانت جميع القوى لا تأخذ الأشياء إلا من الخيال ، وهي قوة هيولانية قابلة لجميع ما يعطيها الحس من الصور ، وقابلة لما تفتح فيها القوة المصورة من الصور ، التي تركبها من أمور موجودة ، قد أمسكها الخيال من القوة الحساسة ، وليس في القوى من يشبه الهيولي في قبول الصور إلا الخيال ، فإذا تقوى الخيال ، حينئذ وجد الفكر حيث يتصرف ويظهر سلطانه ، والوهم كذلك ، والعقل
الخيال عالم البرزخ والمثال من كلام الشيخ الأكبر — صفحة 45 | محمود محمود الغراب