كذلك ، والقوة الحافظة كذلك ، فلم تكن لطيفة الإنسان من حيث ذاتها مدركة لما تعطيها هذه القوى إلا بواسطتها ، فلو اتفق أن تعطيها هذه القوى المعلومات من أول ما يظهر الولد في عالم الحس ، قبلها الروح الإنساني قبولا ذاتيا ، ألا ترى أن اللّه قد خرق العادة في بعض الناس في ذلك ، وهو ما ذكر من صبي يوسف حين شهد له بالبراءة ، وكلام عيسى عليه السلام حين شهد بالبراءة ، وصبي جريج حين شهد له بالبراءة ، هذا سبب تأخير التكليف عن الروح الإنساني إلى الحلم ، الذي هو حد كمال هذه القوى في علم اللّه ، فلم يبق عند ذلك عذر للروح الإنساني ، في التخلف عن النظر والعمل بما كلفه ربه . ( ف ح 2 / 691 )
ومع كون الخيال من موالي النفس الناطقة ، فإن له التحكم فيها ، وما له فيها تحكم إلا أنه يصورها في أي صورة شاء ، وإن كانت النفس على صورة في نفسها ، ولكن لا يتركها هذا الخيال من المتخيّل ، إلا على حسب ما يريده من الصور في تخيله ، وليس للخيال قوة تخرجه عن درجة المحسوسات ، لأنه ما تولد ولا ظهر عينه إلا في الحس ، فكل تصرف يتصرفه في المعدومات والموجودات ، ومما له عين في الوجود أو لا عين له ، فإنه يصوره في صورة محسوس ، له عين في الوجود ، أو يصور صورة ما لها بالمجموع عين في الوجود ، ولكن أجزاء تلك الصورة كلها أجزاء وجودية محسوسة ، لا يمكن أن يصورها إلا على هذا الحد ، فقد جمع الخيال بين الإطلاق العام ، الذي لا إطلاق يشبهه ، فإن له التصرف العام في الواجب والمحال والجائز ، وما ثمّ من له حكم هذا الإطلاق ، وهذا هو تصرف الحق في المعلومات بوساطة هذه القوة ، كما أن له التقييد الخاص المنحصر ، فلا يقدر أن يصور أمرا من الأمور إلا في صورة حسية ، كانت موجودة تلك الصورة المحسوسة أو لم تكن ، لكن لا بدّ من أجزاء الصورة المتخيلة أن تكون كلها كما ذكرنا ، موجودة في المحسوسات ، أي قد أخذها من الحس حين أدركها متفرقة ، لكن المجموع قد لا يكون في الوجود . ( ف ح 3 / 470 )
تأثير الخيال في الحس :
الاحتلام :
فإن قلت هل في قوة الخيال أن يعطي صورة حسية حقيقية ، فلا يكون للحس فضل على الخيال ، لأن الحس يعطي الصور للخيال ؟ وكيف يكون المؤثر فيه مؤثرا فيمن هو مؤثر