الإنسان تأثير عظيم ، وهو المستولي على الناس ، والباعث على الأفكار الرديئة ، وهو يورث الوسوسة فتحفظ منه . ( ف ح 4 / 259 - ح 2 / 326 - كتاب التدبيرات الإلهية )
ولما علم الحق ما ركب عليه العالم المكلف مما ذكرناه ، أرسل الرسل إلى الناس والمكلفين ، فوقفوا في حضرة الخيال خاصة ، ليجمعوا بين الطرفين المعاني والمحسوسات ، فهو موقف الرسل عليهم السلام ، فقالوا لبعض الناس من هذه الحضرة « اعبد اللّه كأنك تراه » ثم نبه هذا المخاطب المكلف - بعد هذا التقرير - على أمر آخر ألطف منه ، لأنه علم أن ثمّ رجالا علموا أن ثمّ معاني مجردة عن المواد ، فقال له « فإن لم تكن تراه » أي تقف مع دليلك الذي أعلمك أنك لا تراه « فإنه » يعني اللّه « يراك » أي الزم الحياء منه والوقوف عندما كلفك ، فعدل في الخطاب إلى حكم وهم ألطف من الحكم الأول ، فإنه لا بد لهذا المكلف أن يعلم أنه يراه ، إما بعقله أو بقول الشرع ، وبكل وجه فلا بد أن يقيده الوهم ، فإن العبد بحيث يراه اللّه ، فتنتج الأهواء مع إطلاقها ، ما تنتجه العقول مع تقييدها ، فلا يسلم لعقل حكم أصلا بلا وهم في هذه النشأة ، لأن النشأة لها ولادة على كل من ظهر فيها ، وما ثمّ أعلى من الحق رتبة ، ومع هذا تخيلته ، وقال لها : تخيليني « 1 » ، أمرها بذلك لكونه لا يكلف اللّه نفسا إلا وسعها ، ووسعها ما تعطيه حقيقتها ، وجعل سعادتها في ذلك التخيل ، ثم قال لها
لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ
فجمعت بين التنزيه فقيدته ، وبين التشبيه فقيدته ، فإنها مقيدة ، فلا تعلم إلا التقييد الذي هو حقيقتها . ( ف ح 3 / 365 )
وأقول أنا محمود محمود الغراب : إن الفرق بين الوهم والخيال دقيق ، فقد قال الشيخ رضي اللّه عنه : إن الخيال حق كله ، والمتخيل منه حق ومنه باطل ، وللتفرقة بين الحالتين ، تعلق المتخيل الباطل بقوة تسمى الوهم ، وتعلق المتخيل الحق بقوة تسمى القوة المتخيلة أو الخيال ، والصحيح أن الأصل واحد ، وهو الخيال والقوة المتخيلة .
القوة المتخيلة :
سبق أن ذكرنا أن الاسم الإلهي القوي ، ما ظهر سلطانه ولا قوته إلا في خلق القوة المتخيلة والخيال ، فإن قوة الخيال ما عندها محال أصلا ، ولا تعرفه ، فلها إطلاق التصرف
هامش
( 1 ) في قوله : اعبد اللّه كأنك تراه - في الحديث المتقدم .