الحائط » فأدرك بعين حسه ، وإنما قلنا بعين حسه ، لأنه تقدم حين رأى الجنة ليأخذ قطفا منها ، وتأخر حين رأى النار وهو في صلاته ، ونحن نعرف أن عنده من القوة ، بحيث أنه لو أدرك ذلك بعين خياله لا بعين حسه ، ما أثر في جسمه تقدما ولا تأخرا ، فالخيال يدرك بنفسه أي بعين الخيال ويدرك بالبصر ، وهو علم دقيق ، أعني العلم بالفصل بين العينين ، بين حاسة العين وعين الحس ، فلا تغفل عن مثل هذا العلم ، وفرّق بين الأعين ، وأعلم أنك لا تقدر على ذلك إلا بقوة إلهية ، يعطيها اللّه من شاء من عباده ، فتعرض لتحصيل هذه القوة من اللّه ، فإنك مخبر بما رأيت أنك رأيته بحسك ، ولم يكن الأمر كذلك ، فتحرز في العبارة فيما تراه ، كما يفعله المنصف ، ألا ترى الصحابة لو وفوا النظر حقه ، وأعطوا المراتب حقها ، لم يقولوا في جبريل عليه السلام : إنه دحية الكلبي ، ولقالوا : إن لم يكن روحانيا تجسد وإلا فهو دحية الكلبي ، أدركناه بالعين الحسي ، فلم يحرروا ولا أعطوا الأمر الإلهي حقه ، فهم الصادقون الذين ما صدقوا ، فقال لهم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : هو جبريل ؛ فحينئذ عرفوا ما رأوا وبما ذا رأوا ، كما قالوا فيه لما تمثل لهم في صورة أعرابي مجهول عندهم ، حين جاء يعلم الناس دينهم ، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « أتدرون من السائل ؟ » فقالوا : « اللّه ورسوله أعلم » لكونه ظهر في صورة مجهولة عندهم ، فقال لهم « هذا جبريل » فإن كان هذا الحديث بعد حديث دحية فقولهم : « اللّه ورسوله أعلم » يحتمل أنهم أرادوا احتمال المعنى ، أو الصورة الروحية ، أو يكون إنسانا في نفس الأمر ، وإن كان هذا الحديث أولا ، فما جهلوا أنه إنسان ، ولكن جهلوا اسمه ولمن ينتسب من قبائل العرب .
( ف ح 1 / 304 ، 305 ، 304 ، 307 ، 304 - ح 3 / 507 ، 509 )
فلا يعرف الرائي أنه أدرك ما أدركه بعين الخيال ، ما لم يعلم المدرك ما هو ؟ وما في الكون أعظم شبهة من التباس الخيال بالحس ، فإن الإنسان إن تمكن في هذا النظر شك في العلوم الضرورية ، وإن لم يتمكن فيه أنزل بعض الأمور غير منزلتها ، فإذا أعطاه اللّه قوة التفصيل ، أبان له عن الأمور إذا رآها بأي عين رآها ، فيعلم ما هي إذا علم العين التي رآها بها من نفسه ، فآكد ما على أهل اللّه علم هذا العلم ، وكثير من أهل اللّه من لا يجعل باله لما ذكرناه ، ولولا علمه بنومه فيما يراه أنه رآه في حال نومه ، ما قال إنه خيال ، فكم يرى في حال
الخيال عالم البرزخ والمثال من كلام الشيخ الأكبر — صفحة 37
مساهمون: محمود محمود الغراب
ص٣٧