فالمكاشف يدرك ما أدركه بنور الخيال ، كما يدركه النائم ورفيقه جنبه مستيقظ لا يرى شيئا ، كذلك صاحب الكشف ، ولو سألت صاحب الكشف : هل ترى ظلمة في حال كشفك ليلا ؟ لقال : لا ، بل يقول : أنارت البقعة حتى قلت : إن الشمس ما غابت ، فأدركت المبصرات كما أدركها نهارا ، وهذه مسألة ما رأيت أحدا نبه عليها إلا إن كان وما وصل إلى ، فصاحب الكشف إذا أظلم الليل وانغلق عليه باب بيته ، ويكون معه في تلك الظلمة شخص آخر ، وقد تساويا في عدم الكشف للمبصرات ، فيكون أحدهما ممن يكشف له في أوقات ، فيتجلى له نور ، يجتمع ذلك النور مع نور البصر ، فيدرك ما في ذلك البيت المظلم ، مما أراد اللّه أن يكشف له منه ، كله أو بعضه ، يراه كما يراه بالنهار أو بالسراج ، ورفيقه الذي هو معه ، لا يرى إلا الظلمة ، غير ذلك لا يراه ، فإن ذلك النور ما تجلى له حتى يجتمع بنور بصره ، فالكون كله مظلم ، فلا يرى إلا بالنورين ، فكل ما يدركه المكاشف من مقامات ، لا يدركها إلا بعين الخيال إذا شوهدت ، فإن صورها إذا مثّلها اللّه - فيما شاء أن يمثلها - متخيلة ، فتراها أشخاصا رأي العين ، كما ترى المحسوسات بالعين ، وكما ترى المعاني بعين البصيرة ، فإن اللّه إذا قلل الكثير وهو كثير في نفس الأمر ، أو كثر القليل وهو قليل في نفس الأمر ، فما تراه إلا بعين الخيال لا بعين الحس ، وهو البصر نفسه في الحالين ، كما قال تعالى
وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ
وقال
يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ
وما كانوا مثليهم في الحس ، فلو لم ترهم بعين الخيال ، لكان ما رأيت من العدد كذبا ، ولكان الذي يريه غير صادق فيما أراه إياك ، وإذا كان الذي أراك ذلك أراكه بعين الخيال ، كانت الكثرة في القليل حقا ، والقلة في الكثرة حقا ، لأنه حق في الخيال ، وليس بحق في الحس ، كما أراك اللبن في الخيال فشربته ، ولم يكن ذلك اللبن سوى عين العلم ، فما رأيته لبنا وهو علم إلا بعين الخيال ، ورأيت تلقينك ذلك العلم ممن تلقنته ، في صورة شربك اللبن كذلك في عين الخيال ، والعلم ليس بلبن ، والتلقين ليس بشرب ، وقد رأيته كذلك ، فلو رأيته بعين الحس لكان كذبا ، لأنك رأيت الأمر على خلاف ما هو عليه في نفسه ، فما رأيته إلا بعين الخيال في حال يقظتك ، وإن كنت لا تشعر أنت بذلك ، فكذلك هو في نفس الأمر ، لأن اللّه صادق فيما يعلمه ، وهو في الخيال صدق كما رأيته ، وكذلك تلقيك العلوم من اللّه بالضربة باليد ، فعلم المضروب بتلك الضربة علم الأولين