الصحيح « اعبد اللّه كأنك تراه » فلهذا كانت عقائد ، والعقائد محلها الخيال ، وإن قام الدليل على أن الذي اعتقده ، ليس بداخل ولا خارج ، ولا يشبه شيئا من المحدثات ، فإنه لا يسلم من الخيال أن يضبط أمرا ، لأن نشأة الإنسان تعطي ذلك ، والحكم تابع لذات الحاكم ، بقبول ما يعطيه المحكوم عليه ، وليس المحكوم عليه هنا إلا المتخيّل ، وهو المعتقد ، فانظر ما أخفى وأقوى سريان الخيال في الإنسان ، فما سلم إنسان من خيال ولا وهم ، وكيف يسلم ولا خروج للعقل عن هذه الإنسانية ؟ ! فلو انعدمت انعدم هذا الحكم ، فهو يوجد ما وجدت . ( ف ح 1 / 94 - ح 4 / 420 )
إدراك الخيال بعين الحس وعين الخيال :
اعلم وفقك اللّه أنه لولا النور ما أدرك البصر شيئا ، فجعل اللّه الخيال نورا ، يدرك به تصوير كل شيء ، أي أمر كان ، فنوره ينفذ في العدم المحض فيصوره وجودا ، فالخيال أحق باسم النور من جميع المخلوقات الموصوفة بالنورية ، فنوره لا يشبه الأنوار ، وبه تدرك التجليات ، وهو نور عين الخيال لا نور عين الحس ، والخيال لا يكون فاسدا قط ، فمن قال بفساده فإنه لا يعرف إدراك النور الخيالي ، فإن هذا القائل يخطئ الحس في بعض مدركاته ، وإدراكه صحيح ، والحكم لغيره لا إليه ، فالحاكم أخطأ لا الحس « 1 » ، كذلك الخيال أدرك بنوره ما أدرك ، وما له حكم ، وإنما الحكم لغيره وهو العقل ، فلا ينسب إليه الخطأ ، فما ثمّ خيال فاسد قط ، بل هو صحيح كله ، فالخيال كله حق ما فيه شيء من الباطل ، والمتخيل منه حق ومنه باطل ، إلا أن المعبّر عنه يصيب ويخطئ ، بحسب ما يراه في نزوله بالمواطن ، فإن المصيب من لم يتعد بالحقائق مراتبها ، وإلى حضرة الخيال يصير الإنسان في نومه وبعد موته ، فيرى الأعراض صورا قائمة بنفسها ، تخاطبه ويخاطبها ، أجسادا لا يشك فيها ، والمكاشف يرى في يقظته ما يراه النائم في حال نومه ، والميت بعد موته ، كما يرى في الآخرة صور الأعمال توزن مع كونها أعراضا ، ويرى الموت كبشا أملح يذبح ، والموت نسبة مفارقة عن اجتماع . ( ف ح 1 / 306 - ح 2 / 113 ، 103 - ح 3 / 455 - ح 1 / 304 )
هامش
( 1 ) العين تبصر ماء في الصحراء ، والعقل يثبت ذلك أو ينفيه بقوله إنه سراب ، فالإصابة والخطأ للعقل لا للعين .