والآخرين ، والعلم لا يحصل إلا بالتعليم بالخطاب من المعلم ، أو بخلق في النفس ضرورة ، وقد حصل في حضرة الخيال بالضرب ، فلا بد أن يكون الضرب مخيلا ، والمضروب في عينه مخيلا ، إن كان في نوم أو يقظة ، لصدق الذي يري ذلك وهو اللّه ، كما قال اللّه تعالى
يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّها تَسْعى
ولم تسع في نفس الأمر ، وهكذا كل ما تراه على خلاف ما هو عليه في نفسه ، ما تراه إلا بعين الخيال ، حتى يكون صدقا ، ولهذا يعبّر كل ما وقع من ذلك ، أي يجوز به العابر إلى المعنى الذي أراد اللّه بتلك الصورة .
( ف ح 1 / 240 - ح 3 / 507 ، 508 ، 509 )
ومن الناس من يدرك هذا المتخيل بعين الحس ، ومن الناس من يدركه بعين الخيال ، وأعني في حال اليقظة ، مثل تمثل جبريل عليه السلام لمريم بشرا سويا ، هل أدركته بالبصر الحسي أو بعين الخيال ؟ فتكون ممن أدرك الخيال بالخيال ، وأما في النوم فبعين الخيال قطعا ، فإذا أراد الإنسان أن يفرق في حال يقظته - حيث كان في الدنيا أو يوم القيامة - فلينظر إلى المتخيّل وليقيده بنظره ، فإن اختلفت عليه أكوان المنظور إليه لاختلافه في التكوينات ، وهو لا ينكر أن ذلك بعينه ، ولا يقيده النظر عن اختلاف التكوينات فيه ، كالناظر إلى الحرباء في اختلاف الألوان عليها ، فذلك عين الخيال بلا شك ، ما هو عين الحس ، فأدركت الخيال بعين الخيال لا بعين الحس ، وقليل من يتفطن إلى هذا ، ممن يدعي كشف الأرواح النارية والنورية إذا تمثلت لعينه صورا مدركة ، لا يدري بما أدركها ، هل بعين الخيال أو بعين الحس ؟
وكلاهما - أعني الإدراكين - بحاسة العين ، فإنها تعطي الإدراك بعين الخيال وبعين الحس ، وإذا أدركت عين المتخيّل ولم تغفل عنه ، ورأته لا تختلف عليه التكوينات ، ولا رأته في مواضع مختلفات معا في حال واحدة ، والذات واحدة لا يشك فيها ، ولا انتقلت ولا تحولت في أكوان مختلفة ، فتعلم أنها محسوسة لا متخيلة ، وأنه أدركها بعين الحس لا بعين الخيال ، ومن هنا يعرف إدراك الإنسان في المنام ربه تعالى ، وهو منزه عن الصور والمثال ، وضبط الإدراك إياه وتقييده ، ومن العلم أن الخيال يدرك بنفسه - نريد بعين الخيال - أو يدرك بالبصر ، فيدرك الإنسان بعين الخيال الصور الخيالية والصور المحسوسة معا ، فيدرك المتخيّل الذي هو الإنسان بعين حسه وقتا ما هو متخيّل ، كقوله صلى اللّه عليه وسلم : « مثلت لي الجنة في عرض هذا