وإذا تجلى الروح في صورة طبيعية مشى الحكم عليها ، من حيث قبول تلك الصورة للظاهر والباطن ، فإن الأعيان التي من حقيقتها أن لا تكون على صورة طبيعية جسدية في نفسها ، إذا ظهرت لمن ظهرت له في صورة طبيعية جسدية في عالم التمثيل ، كالملك يتمثل بشرا سويا ، وكالتجلي الإلهي في الصور ، فظهر جبريل في صورة أعرابي بكلامه وحركته المعتادة من تلك الصورة في الإنسان ، وهي في الصورة الممثلة كما هي في الإنسان ، أو هي من الصورة كما هي الصورة المتخيلة أيضا ، ويتبع تلك الصورة جميع أحكامها ، من القوى القائمة بها في الإنسان ، كما قام بها الكلام والحركة والكيفيات الظاهرة ، فهو في الحقيقة إنسان خيالي ، فإذا ذهبت تلك الصورة ذهبت أحكامها لذهابها ، فما ظهرت صورة في جوهر العالم إلا ظهرت بجميع أحكامها ، سواء كانت تلك الصورة محسوسة أو متخيلة ، فإن أحكامها تتبعها ، فإذا قبل الروح الصورة الطبيعية في الأجساد المتخيلة - لا في الأجسام المحسوسة التي جرت العادة بإدراكها - مشى الحكم عليها ، فإن الأجساد المتخيلة أيضا معتادة الإدراك ، لكن ما كل من يشهدها يفرق بينها وبين الأجسام الحقيقة ، ولهذا لم يعرف الصحابة جبريل حين نزل في صورة أعرابي ، وما علمت أن ذلك جسد متخيل ، حتى عرفهم النبي صلى اللّه عليه وسلم لما قال لهم هذا جبريل ، ولم يقم بنفسهم شك أنه عربي ، وكذلك مريم حين تمثل لها الملك بشرا سويا ، لأنه ما كانت عندها علامة في الأرواح إذا تجسدت ، وكذا إبراهيم الخليل ولوط عليهما السلام ، وكذا يظهر الحق لعباده يوم القيامة ، فيتعوذون منه لعدم معرفتهم به ، فكان الحكم في الجناب الإلهي والروحاني من الصور ، سواء في حق المتجلى له ، من الجهل به ، فلا بد لمن اعتنى اللّه به من علامة يعرف بها تجلي الحق ، من تجلي الملك ، من تجلي الجان ، من تجلي البشر إذا أعطوا قوة الظهور ، كقضيب البان وأمثاله ، فإذا كان البشر بهذه النشأة الترابية العنصرية ، له قوة التحول في الصور في عين الرائي وهو على صورته ، فهذا التحول في الأرواح أقرب ، وهذا من باب المعرفة في علم الخيال .
( ف ح 2 / 334 - ح 3 / 452 - ح 2 / 333 )
فمن ظهر في صورة كان له حكمها ، بحسب ما تقرر في العرف والوضع العادي والشرعي ، ألا ترى الروح الجني إذا لبس صورة الحية ، والحكم فيها منا القتل ، قتلناه
الخيال عالم البرزخ والمثال من كلام الشيخ الأكبر — صفحة 29
مساهمون: محمود محمود الغراب
ص٢٩