تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الخيال عالم البرزخ والمثال من كلام الشيخ الأكبر — صفحة 27

مساهمون:

ص٢٧
والفرقان بين الأجسام والأجساد ، أن الأجسام هي هذه المعروفة في العموم ، لطيفها وشفافها وكثيفها ، ما يرى منها وما لا يرى ، والأجساد هي ما يظهر فيها الأرواح في اليقظة الممثلة في صور الأجسام ، وما يدركه النائم في نومه من الصور المشبهة بالأجسام فيما يعطيه الحس ، وهي في نفسها ليست بالأجسام ، ولما أراد اللّه بقاء الأرواح على ما قبلته من التمييز ، خلق لها أجسادا برزخية ، تميزت فيها هذه الأرواح عند انتقالها عن هذه الأجسام الدنياوية ، في النوم وبعد الموت ، وخلق لها في الآخرة أجساما طبيعية ، كما جعل لها في الدنيا ذلك ، غير أن المزاج مختلف ، فنقلها عن جسد البرزخ إلى أجسام نشأة الآخرة ، فتميزت أيضا بحكم تميز صور أجسامها ، ثم لا تزال كذلك أبد الآبدين ، فلا ترجع إلى الحال الأول من الوحدة العينية أبدا ، وهو قوله تعالى
الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ
. ( ف ح 3 / 186 ، 188 ) فما ظهرت قدرة الحي القيوم إلا في إنشاء الجسوم ، وما ثمّ إلا رسم ، فما ثمّ إلا جسم ، لكن الأجسام ، مختلفة النظام ، فمنها الأرواح اللطائف ، ومنها الأشباح الكثائف ، والصفات والأعراض توابع ، لهذا الجسم الجامع ، فإنه مركب ، والمركب مركّب ، فإن كل مخلوق لا بد له من صورة وروح مدبر لهذه الصورة ، والصورة التي جعلها اللّه تنقسم قسمين : صورة جسمية عنصرية تتضمن صورة جسدية خيالية ، والقسم الآخر صورة جسمية نورية ، وهو صورة أجسام الملائكة ، ولما أكمل اللّه تعالى هذه الصور النورية والعنصرية ، بلا أرواح تكون غيبا لهذه الصور ، تجلى لكل صنف من الصور بحسب ما هي عليه ، فتكون عن الصور وعن هذا التجلي أرواح الصور ، فخلق الأرواح وأمرها بتدبير الصور ، وكان تميز الأرواح بحسب قبول الصور من ذلك التجلي ، وليست الصور بأينيات لهذه الأرواح على الحقيقة ، إلا أن هذه الصور لها كالملك في حق الصور العنصرية ، وكالمظاهر في حق الصور كلها ، والأرواح المدبرة حكمها في الأجسام النورية ، تشكلها في الصور خاصة ، كما أن حكمها في الأجسام الحيوانية التشكل في القوة الخيالية ، مع غير هذا من الأحكام ، فإن الأجسام النورية لا خيال لها ، بل هي عين الخيال ، والصور تقلباتها عن أرواحها المدبرة لها ، وكما لا يخلو خيال الإنسان عن صورة ، كذلك ذات الملك لا تخلو عن صورة ، والخيال أوسع من الأرواح في